تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
وقد ميّزنا سابقا « 1 » بين الجعل والمجعول ، وعرفنا أنّ فعليّة المجعول تابعة لفعليّة موضوعه خارجا ، فيتكثّر وجوب الإكرام المجعول في المثال تبعا لتكثّر أفراد العالم في الخارج . وعلى أساس التمييز بين الجعل والمجعول الذي تقدّم سابقا ، حيث إنّ الجعل هو عالم إنشاء الحكم ولحاظه وواقعه ، بينما عالم المجعول هو عالم فعليّة الحكم التابع لفعليّة الموضوع في الخارج ، فإذا وجد الموضوع في الخارج صار الحكم فعليّا فيسمّى بالحكم المجعول . وأمّا إذا لم يتحقّق موضوعه في الخارج فيسمّى بالحكم الجعلي . ولذلك لا مانع من وحدة الحكم والموضوع في عالم الجعل وتكثّرهما في عالم المجعول ؛ لأنّ الأوّل راجع إلى المولى وكيفيّة حكمه وموضوعه ، بينما الثاني راجع إلى عالم الخارج والمصاديق الخارجيّة للموضوع . والخطاب الشرعي مفاده ومدلوله التصديقي إنّما هو الجعل ، أي الحكم على نحو القضيّة الحقيقيّة ، وليس ناظرا إلى فعليّة المجعول ، وهذا يعني أنّ الشموليّة وتكثّر الحكم في موارد الإطلاق الشمولي إنّما يكون في مرتبة غير المرتبة التي هي مفاد الدليل . بعد أن عرفنا أنّ الشموليّة وتكثّر الحكم إنّما تكون بلحاظ عالم المجعول لا الجعل ، نقول : إنّ الخطابات الشرعيّة من قبيل ( أكرم العلماء ) ( لا تكذب ) ونحوهما مفادها التصديقي ومدلولها الجدّي إنّما هو عالم الجعل ، فقوله تعالى :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
« 2 » مفادها الجدّي ومدلولها التصديقي هو إنشاء حكم بوجوب الحجّ على المستطيع في عالم الجعل والتشريع والواقع الثبوتي . وهذا معناه أنّ هناك حكما بنحو القضيّة الحقيقيّة مفاده ( كلّما وجد مستطيع وجب عليه الحجّ ) ؛ لأنّ الخطابات الشرعيّة كلّها تبرز الأحكام بنحو القضيّة الحقيقيّة التي يكون موضوعها مقدّر الوجود . ففي عالم الجعل ليس إلا حكم واحد على موضوع واحد . وليست الخطابات الشرعيّة ناظرة إلى فعليّة المجعول ؛ لأنّ فعليّة المجعول إنّما تتحقّق إذا تحقّق الموضوع في الخارج فعلا ، فإذا لم يتحقّق الموضوع فلا حكم . والأحكام
هامش
( 1 ) في بحث الدليل العقلي من الحلقة الثانية ، تحت عنوان : قاعدة إمكان التكليف المشروط . ( 2 ) آل عمران : 97 .