تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
إلا أنّه مع ذلك يبقى هناك فرق بين متعلّق الأمر وبين هذا النحو من متعلّق النهي وهو : ولكن مع هذا نلاحظ أنّ هناك فارقا يظلّ ثابتا بين الأمر والنهي ، أو بين الوجوب والتحريم ، وهو أنّ الوجوب الواحد المتعلّق بالطبيعة لا يستدعي إلا الإتيان بفرد من أفرادها ، وأمّا التحريم الواحد المتعلّق بها فهو يستدعي اجتناب كلّ أفرادها ولا يكفي أن يترك بعض الأفراد . يبقى أنّ هناك فارقا بين الأمر والنهي أو بين الوجوب والتحريم . فصحيح أنّ هذا التحريم واحد كما هو الحال في الوجوب فيكون له عصيان واحد ؛ لأنّه تكليف واحد . إلا أنّه مع ذلك نجد أنّ الوجوب والأمر المتعلّق بالطبيعة ( أكرم ) يستدعي إيجاد الطبيعة في الخارج ، والطبيعة توجد بفرد من أفرادها . وهذا معناه أنّه يكفي في امتثال متعلّق الأمر إيجاد فرد من الأفراد فقط . وأمّا النهي والتحريم فهو وإن كان واحدا لوجود القرينة على ذلك فإنّه عصيان واحد ؛ لأنّه حكم واحد ، إلا أنّه لا يكفي في امتثال متعلّق النهي أن يعدم فردا من الأفراد ، بل لا بدّ من إعدام كلّ الأفراد ليتحقّق الامتثال ؛ لأنّ الطبيعة لا تنعدم إلا بكلّ أفرادها . وهذا يعني أنّه يوجد فارق بينهما في عالم الامتثال ، فالأمر يمتثل بفرد من إفراده ، بينما النهي الواحد كالنهي المتعدّد لا يتحقّق امتثاله إلا بترك كلّ الأفراد لا بعضها . والوجه في هذا هو : وهذا الفارق ليس مردّه إلى الاختلاف في دلالة اللفظ أو الإطلاق ، بل إلى أمر عقلي وهو أنّ الطبيعة توجد بوجود فرد واحد ولكنّها لا تنعدم إلا بانعدام جميع أفرادها . وحيث إنّ النهي عن الطبيعة يستدعي انعدامها فلا بدّ من ترك سائر أفرادها ، وحيث إنّ الأمر بها يستدعي إيجادها فيكفي إيجاد فرد من أفرادها . وهذا الفارق ليس منشؤه الاختلاف في دلالة اللفظ ، فإنّ اللفظ يدلّ على شيء واحد وهو الطبيعة والماهيّة ، حيث تقدّم أنّ اسم الجنس موضوع للماهيّة بذاتها . فنقول : ( لا تحدث ) و ( صلّ ) يدلّ اسم الجنس فيهما على طبيعي الحدث والصلاة ، فليس هناك اختلاف بينهما في دلالة اللفظ . وكذلك ليس منشأ الاختلاف هنا الاختلاف في الإطلاق ، فإنّ الإطلاق فيهما
شرح الحلقة الثالثة — صفحة 477 | الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي