تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
العلاقة الوضعيّة بين اللفظ وهذا المعنى ملحوظة باللحاظ الاستقلالي أو الآلي . فالاستقلاليّة أو الآليّة ولحاظهما دخيل في نفس العلاقة أي نفس وضع اللفظ لهذا المعنى ، فهذه العلاقة التي جعلها الواضع والجاعل أخذ فيها اللحاظ وقيديّته ، بحيث إنّه إذا لم يكن هذا اللحاظ موجودا لم يكن هناك علاقة وضعيّة أصلا فيكون اللفظ مهملا من دون وضع أصلا . وبهذا يتّضح أنّ المعنى الموضوع له أو المستعمل فيه اللفظ لم يكن مقيّدا باللحاظ ليكون أمرا ذهنيّا ، بل هو مطلق من هذه الناحية ، ولذلك يكون حاكيا ومنطبقا على الخارج . نعم ، العلاقة الوضعيّة بين اللفظ والمعنى كانت مقيّدة باللحاظ فإذا وجد اللحاظ كان اللفظ موضوعا أو مستعملا في المعنى ، وإذا انتفى اللحاظ لم يكن للّفظ أيّ معنى أصلا ولم يكن موضوعا أو مستعملا لشيء من المعاني فيكون مهملا . ويترتّب على ذلك عدم المجازيّة ، وتوضيحه : فاستعمال الحرف في الابتداء حالة اللحاظ الاستقلالي استعمال في معنى بلا وضع ؛ لأنّ وضعه له مقيّد بغير هذه الحالة ، لا استعمال في غير ما وضع له . وقد يشكل بأنّ كلمة ( من ) وكلمة ( الابتداء ) ما دامتا موضوعتين ومستعملتين في معنى واحد مفهوم وارد وهو مفهوم الابتداء الكلّي ، والفارق بينهما إنّما هو بنوعيّة اللحاظ وكيفيّته والتي هي خارجة عن المعنى ، فهذا لازمه أنّه يصحّ استعمال أحدهما مكان الآخر كالمترادفين مثلا من دون مجازيّة أصلا كأسد وليث ، أو يقال : إنّه يصحّ استعمال أحدهما مكان الآخر ، ولكن بنحو المجاز ؛ لأنّه يكون استعمالا للّفظ في غير ما وضع له . ومن الواضح أنّ كلا الأمرين فاسد ؛ لوضوح أنّه لا يقال : ( سار زيد ابتداء البصرة ) لا بنحو الترادف ولا بنحو المجاز . وجوابه : أنّ كلمتي ( من ) و ( الابتداء ) موضوعتين لمعنى واحد والاختلاف بينهما في نوعيّة اللحاظ ، ومع ذلك فلا يصحّ استعمال أحدهما مكان الآخر ، لا بنحو الترادف ولا بنحو المجازيّة ، ولا منافاة بين الأمرين ؛ وذلك لأنّ نوعيّة اللحاظ تمنع من ذلك . وتوضيحه : أنّنا ذكرنا أنّ الواضع عندما يريد أن يجعل العلاقة الوضعيّة بين اللفظ والمعنى يأخذ في هذه العلاقة الوضعيّة قيدا ، وهو أنّه عندما يريد أن يضع كلمة ( من )