هناك فارق جوهري بينهما وإنّما الفارق عرضي ، وهو نوعيّة اللحاظ وكيفيّته .
إلا أنّ هذا لا يعني أنّ اللحاظ الاستقلالي أو الآلي مقوّم للمعنى الموضوع له أو المستعمل فيه وقيد فيه ؛ لأنّ ذلك يجعل المعنى أمرا ذهنيّا غير قابل للانطباق على الخارج .
إشكال ودفعه :
أمّا الإشكال فهو : أنّ اللحاظ الاستقلالي أو الآلي في كلمتي ( الابتداء ) و ( من ) معناه أنّ كلمة ( الابتداء ) قد وضعت للدلالة على مفهوم الابتداء واستعملت فيه بما هي مقيّدة باللحاظ الاستقلالي ، فصار هذا اللحاظ الاستقلالي مقوّما للمعنى الذي وضعت له واستعملت فيه ؛ لأنّه دخيل وقيد فيها . ومن الواضح أنّ اللحاظ أمر ذهني من شؤون الذهن ، فإذا كان قيدا دخيلا ومقوّما للمعنى صار المعنى أمرا ذهنيّا ؛ لأنّه مقيّد بما هو أمر ذهني وهذا يجعله غير قابل للانطباق على الخارج ، وهذا واضح الفساد ؛ لأنّ المراد من وضع الكلمات لمعانيها أن تكون حاكية عن المعاني المتحقّقة في الخارج بتوسّط تصوّرها ذهنا ، وإلا لم يكن هناك فائدة وأثر لوضع الألفاظ للمعاني الذهنيّة بما هي مقيّدة بالذهن من دون أن تكون حاكية عن الخارج . فيكون هذا اللحاظ الاستقلالي المقوّم لغوا ومستحيلا ؛ لأنّه يلغي الفائدة من الوضع . وكذلك الحال بالنسبة للّحاظ الآلي في كلمة ( من ) .
وإنّما يؤخذ نحو اللحاظ قيدا لنفس العلقة الوضعيّة المجعولة للواضع .
والجواب عن الإشكال : أنّ نوعيّة اللحاظ من الاستقلالي أو الآلي ليست دخيلة في المعنى الموضوع له أو المستعمل فيه ، وإنّما نحو اللحاظ المذكور دخيل في العلاقة الوضعيّة فقط ، وأمّا المعنى الموضوع له أو المستعمل فيه فهو غير متقوّم وليس مقيّدا بنوع اللحاظ ليلزم المحذور المذكور .
والمقصود من العلاقة الوضعيّة التي يكون اللحاظ دخيلا فيها هي العلاقة الوضعيّة بين اللفظ والمعنى التي يجعلها الواضع ، فالواضع الذي جعل كلمة ( الابتداء ) موضوعة أو مستعملة بمفهوم الابتداء الكلّي الاستقلالي ، أو الذي جعل كلمة ( من ) الموضوعة والمستعملة في الابتداء بما هي حالة في الطرفين ، إنّما جعل هذا اللحاظ قيدا في نفس العلاقة بين اللفظ والمعنى بحيث يكون اللفظ دالّا على المعنى المقصود ، إذا كانت
شرح الحلقة الثالثة — صفحة 290
مساهمون: الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي
ص٢٩٠