تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
تعلم أنّه حرام » فهذه الألسنة مطلقة بمعنى أنّه في كلّ مورد لا يعلم الحكم الواقعي فيه فهو مرفوع وحلال ، وهو معنى نفي العقاب والتأمين في حالة المخالفة للواقع . فموضوع البراءة الشرعيّة هو عدم العلم بالتكليف الواقعي وهذا الموضوع ثابت في الفرض المذكور ، أي قيام دليل مشكوك الحجّيّة على الوجوب مثلا . فإنّ عدم العلم بالتكليف الواقعي متحقّق ؛ لأنّ هذه الحجّيّة المشكوكة لا تكشف عن الواقع كشفا تامّا بل إنّه يحتمل كونها كاشفة فقط . ومع هذا الاحتمال يصدق عدم العلم فتجري البراءة الشرعيّة . وهذا يعني أنّ المورد مشمول للبراءة لأجل إطلاق موضوعها ، بل يمكننا أن نقول أكثر من ذلك : وهو أنّ إطلاق البراءة الشرعيّة يشمل حالة قيام الحجّة المعتبرة شرعا على التكليف كقيام خبر ثقة دالّ على الوجوب ، فإنّ هذا الخبر كاشف ناقص عن الواقع فهو يفيد الظنّ فقط . غاية الأمر جعله الشارع حجّة بمعنى كونه منجّزا ومعذّرا ؛ لأنّه يبرز أنّ ملاكات الإلزام الواقعيّة هي الأهمّ وليس جعله حجّة بمعنى جعله علما كما هو مسلك الميرزا وغيره ، وحينئذ فعدم العلم بالتكليف الواقعي ثابت أيضا في صورة قيام الحجّة على التكليف فيقع التعارض بينهما ، ولكنّه تعارض غير مستقرّ ؛ وذلك لأنّ دليل حجّيّة خبر الثقة كالأخبار والسيرة العقلائيّة أقوى ظهورا ودلالة من دليل البراءة ولذلك يكون مقدّما عليها ، أو يكون حاكما على مسلك الميرزا والمشهور . ومن المعلوم أنّ الحكومة نوع من التخصيص ؛ لأنّها توسّع أو تضيّق الموضوع أو المحمول بلسان التعبّد والادّعاء ، ولذلك يرفع اليد عن الإطلاق في دليل البراءة لثبوت هذا المخصّص الحاكم . وأمّا إذا لم يثبت هذا المخصّص فلا يؤخذ بالدليل الأضعف كالحجّيّة المشكوكة ويترك الدليل الأقوى وهو الإطلاق ، بل يبقى الإطلاق ثابتا وحجّة لعدم وجود حجّة أقوى منه تكون حاكمة عليه . وكذلك الكلام في الاستصحاب . فإنّ موضوعه العلم بالحكم الواقعي فمع عدم العلم به يكون موضوعه تامّا ولا يرفع اليد عنه بالشكّ ، وهذه الحجّة المشكوكة لا تفيد العلم بالحكم الواقعي ، فيبقى الاستصحاب حجّة لتحقّق موضوعه . فقوله : « لا تنقض اليقين بالشكّ ولكن تنقضه بيقين آخر » يفيد أنّ اليقين