الملاحظة الثالثة :
إذا كان العقل « 1 » يحكم بأصل وجوب طاعة المولى ، فنأتي إلى العقل ونطلب منه أن يحدّد لنا دائرة طاعة المولى ، فنسأله السؤال التالي :
أيها العقل الذي حكمت بطاعة المولى ما هي حدود حق الطاعة للمولى على المأمور ؟
بعبارة أخرى : ما ذا يقول العقل في تحديد حدود دائرة مولوية المولى ودائرة حق الطاعة ؟
في أي شيء يجب علينا حق الطاعة وفي أي شيء لا يجب ؟ فإذا حدّدنا المولى ففيم نطيع هذا المولى ؟
مثلا لو أمر السيد عبده أن يلقي نفسه من شاهق فهل يجب على العبد أن يطيع سيده أو لا يجب ؟ وفي أي أمر يستطيع المولى أن يثيبنا أو يعاقبنا ؟
هل نطيعه في كل التكاليف المقطوعة ، أو أوسع من ذلك بحيث تشمل دائرة حق الطاعة كل تكليف منكشف ولو بالاحتمال ، أو أضيق من ذلك بأن نطيع المولى في كل التكاليف المقطوعة التي تأتي عن طريق الشرع فقط دون طريق العقل ؟
Footnote
( 1 ) إن الذي يحكم بهذا الحكم هو العقل العملي لا العقل النظري ، وهذا التقسيم للعقل يكون من حيث المدرك ، فإذا كان المدرك أمرا نظريا مثل استحالة اجتماع النقيضين فإن العقل يسمى عقلا نظريا ، والأمر النظري هو ما ينبغي أن يعلم وما لا ينبغي أن يعلم ، وإذا كان المدرك أمرا عمليا فإن العقل يسمى عقلا عمليا ، والأمر العملي هو ما ينبغي أن يعمل وما لا ينبغي أن يعمل ، فالصدق ينبغي فعله ، والكذب لا ينبغي فعله ، فإدراكنا لحسن الصدق وقبح الكذب من مدركات العقل العملي لا من مدركات العقل النظري .