تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درر الفوائد ( طبع جديد ) — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
الإرادة ليست في اللب على ثلاثة أقسام بل على قسمين . فنقول من القيود الخارجة عن حيز القدرة قيد وقوع الفعل في الزمان الفلاني مثل الصوم في الغد ، فان تحصيل الغد خارج عن قدرة المكلف فلا بد من كون الإرادة في حيّزه ولو فرض تعلق المصلحة على وجه الاطلاق بالصوم في الغد بحيث لو فرض انتفاء الغد وعدم مجيئه كان الغرض فائتا . فان قلت : ما المراد بعدم المقدورية في هذا القيد ؟ فان قيد كون الصوم واقعا في الغد يكون باختيار المكلف ، كما يكون نفس الصوم باختياره ، ولا يعتبر في اختيارية هذا القيد اختيارية وجود الغد ، إذ الحال في الزمان والمكان على نسق واحد ، ولا شك ان الإرادة في قولك : " صل في المكان الفلاني " إرادة مطلقة لا مشروطة ، مع أن أصل وجود المكان خارج عن اختيار المكلف ، وسرّه انه يكفي كون وقوع العمل في هذا المكان تحت اختياره ، ولا يلزم كون وجود المكان تحت الاختيار في صحة الإرادة المطلقة بغير الاشتراط ، فكذا الحال في الزمان أيضا ، فقد حصل لنا قسم ثالث ، وهو ان يكون الإرادة غير واقعة في حيّز شيء وكان متعلقها فعلا واقعا في الزمان المستقبل . قلت : سر صحة هذين الاطلاقين ، اعني صلّ في المكان الفلاني وصم في الغد ، بدون الاشتراط ان نفس المكان والزمان يكونان مفروضي الوجود ، وبعبارة أخرى ان هنا أشياء : الأول نفس وجود الزمان ، والثاني بقاء المكلف حيّا إلى هذا الزمان ، والثالث كون الفعل في هذا الزمان ، فالمقدور من هذه الثلاثة هو الأخير فقط دون الأولين ، ولكن حيث كان الأولان مفروضي الوجود ، اوّلهما بالقطع ، والثاني بالأصل العقلائي ، اعني اصالة الحياة والسلامة ، فلهذا صح التكليف بالصوم في الغد على وجه الاطلاق . وان شئت توضيح عدم صحة الإرادة على نحو أحاطت بالزمان أو المكان فاقطع النظر عن القطع بوجودهما وكونهما مفروضي الوجود ، وافرضهما من الأمور التي قد تحصل وقد لا تحصل ، إذ حينئذ لا يصح توجيه الطلب نحوهما على وجه الاطلاق ولا يمكن المولى الزام عبده بايجاد هذا المقيد بالمكان الفلاني أو بالغد ، إذ قد ينعدم هذا المكان قبل وصول المكلف ، أو لا يجئ الغد ، ولا يمكن العبد ان يأتي بهما في هذا الفرض ، والمفروض ان معنى توجيه الإرادة على وجه الاطلاق كونها متشبّثة بتمام المتعلق من الذات والقيد ومقتضية لحصولهما عن قدرة المكلف ، غاية الأمر انه يكفى حصول القيد لو كان حاصلا من غير قبل المكلف ، وليس حال الفعل في الزمان والمكان الا كحاله في اللباس الفلاني ، فكما انه لا بد في الأخير من تحصيل الصلاة في هذا اللباس ؛ فإن كان موجودا عنده صلى فيه وان كان غير موجود وأمكن شرائه أو استيجاره