وحاصل هذا التقريب يرجع إلى أنّ العلم الإجمالي قد تعلّق بأمر غير متعيّن ، والعلم التفصيلي تعلّق بأمر متعيّن ، وانطباق اللامتعيّن على المتعيّن قهري ؛ لأنّ عدم الانطباق ينشأ من إحدى الوجوه الثلاثة المتقدّمة ، وهي خلاف الواقع .
وفيه : أنّ المعلوم بالإجمال لمّا كان أمرا غير متعيّن فيحتمل فيه أن يكون عين ما تعيّن بالعلم التفصيلي ، ويمكن أن يكون غيره ، فالقول بالانطباق القهري ممّا يأباه الوجدان ، فإنّ لازم الانطباق القهري هو العلم بأنّ المعلوم بالتفصيل هو عين المعلوم بالإجمال ، مع أنّ العينيّة محتملة كما هو مفروض المسألة .
التقريب الثاني : ما أفاده سيّدنا الأستاذ الإمام قدّس سرّه « 1 » من أنّ الميزان في الانحلال لو كان قائما باتّحاد المعلومين مقدارا مع العلم بأنّ المعلوم بالتفصيل هو عين المعلوم بالإجمال لكان لعدم الانحلال وجه ، إلّا أنّ الميزان هو عدم بقاء العلم الإجمالي في لوح النفس ، وانقلاب القضيّة المنفصلة الحقيقيّة أو المانعة الخلوّ إلى قضيّة بتّية وقضية مشكوكة فيها فيما إذا كان للعلم الإجمالي طرفان ، أو إلى قضايا بتّية وقضايا مشكوكة إذا كان له أطراف ، فمثلا لو علم بوجود خمر في الإناءين ثمّ علم تفصيلا بأنّ الخمر في الإناء من الطرف الأيمن فلا محالة يرتفع الترديد حينئذ ، وتنقلب القضية المردّدة إلى قضيّة بتّية وقضية مشكوكة ، فيقال : هذا خمر قطعا وذاك مشكوك الخمرية . إن قلت :
صحيح أنّه بعد العلم التفصيلي بخمرية أحد الإناءين ينحلّ العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وشكّ بدوي ، إلّا أنّه يحتمل أن يكون المعلوم بالإجمال هو نفس المشكوك فيه . قلت : هذا الاحتمال لا يضرّ بالانحلال ، وذلك لأنّ المضرّ هو احتمال انطباق المعلوم بالإجمال بوصف كونه معلوما بالفعل على الطرف المشكوك ، لا احتمال انطباق ما كان معلوما إجمالا في السابق الذي هو معدوم فعلا للعلم التفصيلي بأحد الطرفين ، فإنّه لا أثر لهذا الاحتمال أصلا .
هامش
( 1 ) تهذيب الأصول 2 : 206 - 207 .