والتكليف الذي له تعلّق بموضوع خارجي ، كقوله : « لا تشرب الخمر » و « صلّ في الوقت » وإن كان وجوده الواقعي مشروطا بوجود ذلك الموضوع من غير دخل للعلم والجهل في ذلك ، إلّا أنّ مجرّد الوجود الواقعي لا يكفي في انبعاث المكلّف وحركة إرادته نحوه ، فإنّ الحركة والانبعاث إنّما يكون بالوجود العلمي ، ولا أثر للوجود الواقعي في ذلك ، فالعلم وإن كان بالنسبة إلى الموضوع طريقيّا ، إلّا أنّه بالنسبة إلى الاختيار والإرادة والانبعاث يكون موضوعيّا ، ومتعلّق التكليف إنّما يكون هو الاختيار والانبعاث الناشئ عن العلم بالموضوع والتكليف ، فيكون مفاد قوله :
« لا تشرب الخمر » هو لا تختر شرب ما أحرزت أنّه خمر ، وهذا المعنى موجود في كلتي صورتي مصادفة العلم للواقع ومخالفته ، فإنّه في صورة المخالفة قد تحقّق اختيار شرب ما احرز أنّه خمر ، والمصادفة والمخالفة ليست اختياريّة ، فلا تصلح لأن يتعلّق بها التكليف ، فالذي يصلح لأن يتعلّق به التكليف ليس إلّا اختيار شرب ما أحرز أنّه خمر .
ثمّ قال : إنّ حاصل هذه الدعوى تتركّب من مقدّمتين :
الأولى : دعوى أنّ متعلّق التكليف هو الانبعاث وحركة الإرادة والاختيار نحو ما احرز أنّه من مصاديق الموضوع الذي تعلّق به التكليف الواقعي .
الثانية : دعوى أنّ الإحراز والعلم يكون موضوعا على وجه الصفتيّة بمعنى الاختيار والإرادة وإن كان طريقا بالنسبة إلى الموضوع .
ثمّ استشكل عليهما بقوله : ولا يخفى عليك ما في كلتي المقدّمتين من المنع .
أمّا في الأولى : فلأنّ المتعلّق هو الفعل الصادر عن إرادة واختيار ، لا نفس الإرادة والاختيار ، فإنّ الإرادة والاختيار تكون مغفولة عنها حين الفعل ولا يلتفت الفاعل إليها فلا يصلح لأن يتعلّق التكليف بها ، فإذا كان متعلّق التكليف هو الشرب المتعلّق بالخمر الصادر عن إرادة واختيار فالمتجرّي لم يتعلّق شربه بالخمر .
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 316
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٣١٦