متغايران من حيث المفهوم ، وحمل أحدهما على الآخر لا يكون حملا أوّليّا عند بعض ، مع أنّه لم يقل أحد بعدم حكايتهما عن الآخر ؛ إذ الوجدان حاكم بأنّ لازم تصوّر الإنسان المتقيّد بالخصوصيّة الزيدية تصوّر الإنسان ابتداء ولو بنحو دخول التقيّد ، ولا يمكن لحاظ هذا العنوان بدون لحاظ الإنسان ابتداء ، ولا يسمع كلام من يقال : بأنّا نتصوّر الرقبة المقيّدة بالإيمان بدون تصوّر كلّي الرقبة ؛ إذ التقيّد داخل في العنوان ، لأنّا نقول : إنّ المرحلة الأولى من مراحل تحقّق عنوان الأفراد عبارة عن وجود الماهيّة . والمرحلة الأخرى تحقّق خصوصيّات فردية ، ومعنى الفرديّة عبارة عن ماهيّة الإنسان المتخصّصة بخصوصيّات فرديّة ، ولا يمكن ملاحظة الفردية بدون ملاحظة الماهيّة قبلها . ومن المعلوم أنّا لا نشكّ دخالة الإنسانيّة في تسمية المولود ، فلذا لو سمّى الوالد ولده باسم علي - مثلا - لم يسأل عنه بأنّه : لم لا يسمّيه باسم تفاح أو طيارة - مثلا - فإنّه ينادي بأعلى صوت بأنّ هذا إنسان ، وتسمية الإنسان بهذه الأسماء غير معمول بل غير معقول عند العقلاء ، وهذا كاشف عن تصوّر الانسانيّة عند تسمية المولود ، فالخاص يكون حاكيا ومرآة للعام ، فيكون هذا القسم من الأقسام الأربعة بمكان من الإمكان ، بخلاف عكسه كما مرّ آنفا .
وقد عرفت أنّه لا كلام ولا إشكال في إمكان وقوع القسمين الأوّلين من الأقسام الأربعة ، ولكن استشكل على القسم الأوّل منهما - أي الوضع العام والموضوع له العام - وهو أنّ الاصولين قائل بأنّه لا بدّ للواضع في مقام الوضع من تصوّر اللفظ والمعنى ، وأنّ الوضع بأيّ معنى كان لا يمكن بدون لحاظ اللفظ والمعنى ؛ والفلاسفة قائلون بأنّ الماهيّة قد يتحقق في الخارج وقد يتحقّق في الذهن ، وأنّ وجودها الذهني عبارة عن احضارها في وعاء الذهن وتصوّرها ذهنا . ولا يخفى أنّ الوجود سواء كان في الخارج أو في الذهن ملازم ومساوق للتشخّص والجزئيّة . والحاصل من هذين القولين أنّه لا يمكن أن يكون المعنى الموضوع له عامّا ، فإنّه يصير في مقام التصوّر جزئيّا .
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 99
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٩٩