من قبل نفسه ، فلم لا يجري الاستصحاب في الواجب الموقّت بعد زوال قيده ؟ !
قلنا : في مقام الجواب عنه بأنّ بين المثالين فرق في أنّ الحكم في مثل « صلّ في الوقت » حكم تكليفي ، وفي مثل « الماء المتغيّر أحد أوصافه الثلاثة نجس » حكم وضعي .
بيان ذلك : أنّه قد مرّ منّا أنّ الأحكام التكليفيّة متعلّق بنفس الطبائع والماهيّات لا بوجودها ، وما يقول به الفلاسفة : من أنّ الماهيّة من حيث هي هي ليست إلّا هي لا موجودة ولا غير موجودة ، لا مطلوبة ولا غير مطلوبة ، ليس معناه ما استفاد صاحب الكفاية قدّس سرّه ، بل معناه أنّ في ماهيّة الإنسان - مثلا - لا مدخلية لأيّ شيء سوى الجنس والفصل حتّى الوجود والعدم خارجان عن دائرة الماهيّة ، ولا يكون معنى قولنا : الطلب متعلّق بالطبيعة ، جعله جزء لها ، بل معناه أنّ الطلب عارض عليها ، فلا فرق بين قولنا : الماهيّة موجودة والماهية مطلوبة من هذه الناحية .
إذا تعلّق الحكم بالطبيعة والعنوان يكون من خصوصيّاته أنّ العنوان إذا كان مقيّدا بقيد أو موصوفا بوصف لا يمكن انطباقه في غير مورد الوصف والقيد ؛ إذ القيد يوجب محدوديّة المقيّد ، ولا يعقل أن يصدق عنوان الإنسان الأبيض على إنسان غير الأبيض ، وعنوان الرجل العالم على غير العالم ، والمأمور به فيما نحن فيه عبارة عن الطبيعة المقيّدة - أي الصلاة المقيّدة بالوقت - فلا يمكن انطباق هذا العنوان على صلاة خارج الوقت ، والقضيّة المتيقّنة عبارة عن وجوب الصلاة المقيّدة بالوقت ، والقضيّة المشكوكة عبارة من أنّ الصلاة في خارج الوقت هل تكون واجبة أم لا ؟ ولا يتحقّق الاتّحاد بين القضيتين بنظر العرف ، فلا مجال لجريان الاستصحاب هاهنا .
وأمّا دليل جريان الاستصحاب في مثل الماء الذي زال تغيّره من قبل نفسه فهو عبارة عن كون الحكم فيه حكما وضعيّا ، ومعلوم أنّه يتعلّق بالوجود الخارجي ، بخلاف الحكم التكليفي ؛ إذ الوجود الخارجي يكون ظرف سقوطه لا ثبوته ، ومتعلّق
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 763
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٧٦٣