وبعد ملاحظة هذه الخصوصيّات وقع الخلاف في حقيقة الواجب الكفائي ؛ إذ التكليف متقوّم بالآمر المكلّف والمأمور المكلّف والمكلّف به ، والإشكال هاهنا في ناحية المكلّف ، ويتحقّق في تصويره احتمالات متعدّدة :
الأوّل : أن يكون المكلّف عبارة عن مجموع المكلّفين من حيث المجموع ، وفيه ثلاثة احتمالات بنظر الدقي : إذ يحتمل أن يكون المقصود منه جميع المكلّفين ، وعلى هذا لا يكون فرقا بين الواجب العيني والواجب الكفائي ، مع أنّه لا يمكن تكليف جميع المكلّفين في بعض الموارد مثل دفن الميّت . ويحتمل أن يكون المقصود منه تحقّق المكلّف به في الخارج بلا فرق بين تحقّقه من شخص واحد أو مجموع المكلّفين ، وهذا يرجع إلى صرف الوجود الذي يقول به المحقّق النائيني قدّس سرّه في مقابل مطلق الوجود ، وسيأتي تفصيله . ويحتمل أن يكون المقصود منه تكليف جميع المكلّفين بإتيان فرد واحد من المأمور به ، وهذا المعنى مع عدم إمكانه في بعض الموارد لم يلتزم به أحد في الواجب الكفائي .
الثاني : أن يكون المكلّف عبارة عن واحد غير المعيّن في الواقع لا مفهومه ، بل واقعيّته ومصداقه ، وتحقّق استحالة هذا المعنى في الفلسفة ؛ إذ التحقّق في الخارج مع وصف عدم التعيّن والتشخّص أمر مستحيل ، فإنّ التحقّق والوجود مساوق مع التشخّص ، فلا يمكن أن يكون المكلّف عبارة عن واقعيّة أحد المكلّفين مع وصف غير المعيّن خارجا .
الثالث : أن يكون المكلّف عبارة عن واحد مردّد ، كما أن يكون المكلّف به في الواجب التخييري فردا مردّدا ، والفرق بينه وبين الواحد الغير المعيّن أنّ المكلّف هاهنا معيّن ولكن الإبهام يكون في طرف إضافة التشخّص ، بخلاف الواحد الغير المعيّن .
ولكنّه أيضا مستحيل كما مرّ نظيره في الواجب التخييري ؛ بأنّ تشخّص الإرادة التكوينيّة يكون بالمراد ، ولا يعقل تحقّق الإرادة بدون تشخّص المراد ، وهكذا في
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 756
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٧٥٦