تارة في مقام الثبوت ، وأخرى في مقام الإثبات .
وأمّا البحث في مقام الأوّل فقد مرّ منّا أنّ الترتّب يكون بمعنى الطولية وتأخّر رتبة الأمر بالمهمّ عن رتبة الأمر بالأهمّ ، مثل تأخّر رتبة المعلول عن العلّة والمؤثّر والمتأثّر عن المؤثّر ، ودليل تأخّر رتبته أنّه مشروط بشرط متأخّر عن الأمر بالأهمّ ، وهو عبارة عن عصيان الأمر بالأهمّ ، وعصيانه متأخّر عنه ، فالأمر بالصلاة - مثلا - متأخّر عن الأمر بالإزالة . ودليل تأخّر عصيانه عنه أنّ الإطاعة والعصيان أمران متناقضان ؛ لأنّ الإطاعة عبارة عن فعل المأمور به والعصيان عبارة عن ترك المأمور به . ومعلوم أنّ إطاعة الأمر متأخّر عنه فالعصيان أيضا كذلك ؛ إذ النقيضان في رتبة واحدة ، والمشروط بالمتأخّر لا محالة متأخّر .
والجواب عنه أوّلا : أنّه فقد مرّ منّا ما ذكره المحقّق القوچاني قدّس سرّه في توضيح تشبيه صاحب الكفاية قدّس سرّه مسألة الضدّين بمسألة النقيضين ، ومحصّل كلامه في مقام نفي المقدّمية : أنّ فعل الصلاة وترك الصلاة في رتبة واحدة ، ويتحقّق بين ترك الصلاة وفعل الإزالة كمال الملاءمة التي تقتضي أن يكون فعل الصلاة والإزالة أيضا في رتبة واحدة ، فلا مقدّمية في البين .
وقلنا في جوابه : أنّ الترك والعدم لا يمكن أن يقع موضوعا لأمر وجودي ؛ لأنّه ليس بشيء حتّى يحكم عليه بشيء وجودي كالحكم بالتأخّر أو الاتّحاد ونحو ذلك ، فإنّها أحكام ثبوتية تحتاج إلى الموضوع .
وثانيا : أنّ مع قطع النظر عن هذا الجواب وفرض كون عدم الصلاة مع فعلها في رتبة واحدة ما الدليل لأن يكون عدم الصلاة مع فعل الإزالة في رتبة واحدة ؟ وتأخّر الرتبة وتقدّمها من المسائل العقلية وتابع لملاك عقليّ ، مثل أن يتحقّق لمعلولين علّة واحدة وكان أحد المعلولين علّة لأمر ثالث . ومعلوم أنّ المعلولين بعد تأخّرهما عن العلّة في رتبة واحدة والمعلول الثالث متأخّر عن علّته بلحاظ وملاك العلّية ، ومن
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 727
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٧٢٧