مترشّحا عن الوجوب النفسي يصحّ التعبير بأنّ الوجوب الغيري معلول لوجوب النفسي ، فوجوب الصلاة علّة لوجوب الوضوء ، وحينئذ يصحّ التعبير بأنّ وجوب الصلاة شرط لوجوب الوضوء ، ووجوبه مشروط بوجوبها ، فكما أنّ وجود ذي المقدّمة مشروط بوجود المقدّمة وكذلك وجوب المقدّمة مشروط بوجوب ذي المقدّمة ، فيتوقّف وجود الصلاة على وجود الوضوء ، ويتوقّف وجوب الوضوء على وجوب الصلاة ، فالوضوء بالنسبة إلى الصلاة يكون من قيود المادّة ، ووجوب الصلاة بالنسبة إلى الوضوء يكون من قيود الهيئة ، ومن البديهي أنّ دوران بين النفسية والغيرية يكون فيما صدر عن المولى أمران وأحرز وجوب واجبين ، وكان الشكّ في وجوب الثاني من حيث إنّه واجب نفسي كالواجب الأوّل أو غيريّ .
إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ للمسألة ثلاثة صور : قد يكون لكلا الدليلين إطلاق ، وقد يكون لأحدهما إطلاق ، وقد لا يكون لكليهما إطلاق . أمّا في الصورة الأولى فلا إشكال في صحّة التمسّك بكلّ من الإطلاقين ، وتكون النتيجة هو الوجوب النفسي للوضوء وعدم كونه قيدا وجوديّا للصلاة - مثلا - فإنّ إطلاق دليل الوضوء يقتضي عدم تقييده من حيث الهيئة ، وإطلاق دليل الصلاة يقتضي عدم تقييده من حيث المادّة ؛ إذ المشكوك في الأوّل التقييد من حيث الهيئة ، وفي الثاني التقييد من حيث المادّة . وأمّا في الصورة الثانية فإن كان دليل الصلاة مطلقا تكون نتيجة جريان أصالة الإطلاق هاهنا أنّ تحقّق الصلاة ووجودها لا يكون مقيّدا بوجود الوضوء وتحقّقه ، فينتفي أحد الاشتراطين المقوّمين للواجب الغيري ، ولازم ذلك انتفاء اشتراط الثاني ، وأنّ وجوب الوضوء أيضا لا يكون مقيّدا بوجوب الصلاة . ومعلوم أنّ مثبتات أصول اللفظية أيضا حجّة كما ثبت في محلّه ، وهكذا إن كان دليل الوضوء مطلقا تكون نتيجة جريان الإطلاق هاهنا أنّ وجوب الوضوء لا يكون مقيّدا بوجوب الصلاة ، ولازم ذلك عدم توقّف وجود الصلاة على وجود الوضوء ؛ إذ ينتفي بانتفاء أحد الاشتراطين
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 622
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٦٢٢