لا يخفى أنّ جميع المقدّمات يدور مدار الجملتين عند صاحب الكفاية : الأولى منها قوله : الأمر يكون داعيا إلى متعلّقه ، الثانية منها قوله : ولا يكاد يكون داعيا إلى غير متعلّقه ، وجعلنا البحث في المقدّمة الأولى حول المتعلّق وقلنا فيها : إنّ المتعلّق عبارة عن ماهيّة المأمور بها بلا دخل للوجود الذهني والخارجي فيها .
المقدّمة الثانية : في أنّ ما معنى قوله : الأمر يكون داعيا إلى متعلّقه ؟ فإن كان مراده البعث والتحريك للمكلف إلى تحقّق المتعلّق بالبعث التكويني والحقيقي فهو ليس بصحيح ، فإنّا نرى عدم الانبعاث في العصاة والكفّار ، مع أنّ البعث الحقيقي لا ينفكّ عن الانبعاث . وإن كان مراده أنّ الأمر يكون محقّقا لموضوع الطاعة والانبعاث - كما هو الحقّ على ما سنبيّنه - فهو مخالف لظاهر العبارة .
فالداعي عبارة عن الأمر القلبي الراسخ في نفس العبد ، ويختلف بحسب تفاوت درجات العباد واختلاف حالاتهم وملكاتهم ، فمنهم من وجد في قلبه ملكة الخوف من عقاب المولى ، أو ملكة الشوق إلى ثوابه ورضوانه . ومنهم من وجد في قلبه ملكة الشكر وصار بحسب ذاته عبدا شكورا ، وباعتبار هذه الملكات يصدر عنه إطاعة أوامر المولى . ومنهم من رسخ في قلبه عظمة المولى وجلاله وكبريائه ، فصار مقهورا في جنب عظمته ، وباعتبار هذه الملكة صار مطيعا لأوامره ، وأعلى مرتبة العبادة ما نقل عن أمير المؤمنين عليه السّلام في دعائه وهو قوله عليه السّلام : ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنّتك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك « 1 » . فكان خوفا من النار وطعما في الجنّة وشكرا للمنعم ووجدان المعبود أهلا للعبادة من الدواعي إلى المتعلّق ، كما أنّ كلام أمير المؤمنين عليه السّلام صريح بأنّ المحرّك والداعي عبارة عن وجدانه عليه السّلام إياه أهلا للعبادة . وأمّا الأمر ليس من شأنه إلّا تعيين موضوع الطاعة ، فيصير بمنزلة الصغرى لتلك الكبريات ، فما اشتهر من أنّ الأمر يكون داعيا إلى متعلّقه ليس بتمام .
هامش
( 1 ) البحار 41 : 14 ، ح 4 .