من الأشياء التي بين لي حلها وحرمتها محرما الا كذا وكذا وانما لم يفصل الحلال بل فصل الحرام لقلة الثاني وكثرة الأول فاقتضى مقام البلاغة ذكر الثاني ليعلم ان ما يغايره من القسم الأول وهذا المعنى وان كان في الثمرة وهي إباحة كل ما سوى المذكورات بعد الاستثناء كما لمعنى الأول ولكنه لا يفيد كون الإباحة هو الأصل المركوز في العقول بل يفيد ان اللّه تعالى أباح ما سوى المذكورات فيثبت الإباحة الشرعية هذا وقد تنظر فيه البعض بان ما ذكر انما يناسب ما لو كان الكلام هكذا قل ليس فيما أوحى إلى الخ واما قوله قل لا أجد فيشعر بان سبب الحل عدم وجدانه لا البيان بالوحي هذا وفيه نظر جلى فالحق الانتصار للترقى المذكور ان يقال إن هذا هو المستفاد من ملاحظة كون الخطاب لمن لا يتديّن بالشرائع فلا يحسن الرد والانكار عليهم الا بثبوت الإباحة وكونها مركوزة في العقول فيكون المعنى الأشياء على أصلها الأولى المركوز في العقول الا ما اخبر اللّه تعالى بحرمته فما لكم تخالفون لمركوزات العقول بالحكم بحرمة ما لم يخبر اللّه بحرمته وبالجملة فالآية أدل دليل على المط ومنها قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصّالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصّالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ان اللّه يحب المحسنين والتقريب بعموم ما فيه ودعوى ان ما في الآية مختص بمن جمع الصّفات المذكور فيها وبالطعام الذي طعموه قبل نزولها مما ليس في مخره إذ العبرة بما يستفاد من الآيات من العموم فلا اعتبار بخصوص السّبب والا لم يخبر التمسك بأكثر الآيات المستدل بها في أبواب الفقه والأصول فلا فرق في ذلك بين ان يكون سبب نزولها ما يناسب طريق الخاصة واخبارهم من أنها وردت في قوم من المؤمنين كانوا سلكوا طريق التزهد والترهب وبين ان يكون ما عليه أكثر العامة من أنها وردت في قوم من المؤمنين كانوا سلكوا طريق التزهد والترهّب وبين ان يكون سبب نزولها ما يناسب طريق الخاصّة واخبارهم بعد تحريم الخمر وبعد سؤال الأصحاب بقولهم فكيف باخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر يا رسول اللّه ص وبالجملة فالتعويل على ما يفيده الآية بظاهرها ولا يقدح فيما قررنا كون الافعال فيها بصيغة المضي وهذا ظاهر ونظائر ذلك كثيرة على أن ثبوت ذلك في حق جمع ممن اتصف بالصفات المذكورة يثبت المط لأدلة التشريك من الاخبار والاجماع ثم إذا ثبت في الطعام من المأكول والمشروب ثبت في ساير الافعال من اللمس والشم بعدم القائل بالفرق والأولوية وتكرار بعض الالفاظ في الآية مما لا يقدح فيما قررنا كما أنه لا يؤيده والمتكفل لبيان سره علم البلاغة وعلم التفسير فالنكتة فيه غير غريزة نعم فيها شيء مما يوهم القدح فيما قررنا في الجملة وهو ان عطف الايمان على الاتقاء قاض بدخوله في شرط نفى الجناح عن المباح وذلك يستلزم ثبوت الجناح على الكافر في المباح هذا ومع ذلك فلا قدح لما ذكر فيما قررنا بعد امعان النظر لان الاثبات في الجملة كاف لنا على أنه يمكن التقدير مما يصح به التعميم وانه يمكن ان يقال إن الايمان ليس بداخل في الشرط حقيقة وانما عطفه عليه لاشتراكهما في الوجوب توسعا في البلاغة بما يستقر به الفصحاء ويستحسنه العقلاء البلغاء هذا ومنها قوله تعالى
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
وقد مرّ تقريب الاستدلال به في بحث الإباحة العقلية فما صدر عن البعض من أنه ليس فيه لفظ دال على العموم في الانتفاع وعلى تقدير عمومه يكفى في مقام الامتنان اباحته تعالى جميع الانتفاعات ولو كان بعضها عند الاضطرار لان منع عدم المضطرين نعمة ومنة عليهم ويؤيد ذلك منع الباغي عن الانتفاع بالميتة في حال اضطراره فمما ليس في محلّه فبأدنى الالتفات يظهر ردّه ومثل ذلك اختصاص الانتفاع بالاستدلال على وجود الصانع وتوحيده واثبات صفات له ونفى صفات عنه والأحاديث الواردة في تفسيره بأنه خلق لكم ما في الأرض جميعا لتعتبروا به مما لا يقدح فيما قررنا لما ذكرنا فلعل الاختصاص في الاخبار بالنظر إلى ملاحظة الأهم الأعظم ومنها قوله تعالى
أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ *
ومنها قوله تعالى
إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
وقد مر التقريب
فيهما ومنها قوله تعالى
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
ومنها قوله تعالى
مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
ومنها قوله تعالى
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً
ومنها قوله تعالى
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
ولعلّك تقدر بالتأمل فيما قررنا على دفع ما يرد على الاستدلال بهذه الآيات ومنها قوله تعالى
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
فمن يستدلّ به فلا بد ان يقول في معناه انه نفى التحريم والوجوب بالاخبار عن العفو عن المؤاخذة عن كل ما يفعله المكلف أو يتركه مما لم يستقل بادراكه العقل إلى زمان وصول اليه واما من استدل به على حجية أصل البراءة ودفع الاشكال الوارد عن جهته من قبل المنكرين للتطابق والتلازم على مثبتية بجواز العفو فقد وقع بين كلاميه تناف وتدافع جدا والقول بان من فعل كل فلعله أراد نفى الوجوب والتحريم بالمعنى الذي اثبته الخصم فإنه لا يلتزم بكونه ذنبا موعودا عليه بالعقود وعدم المؤاخذة ولو مع الاصرار بل يجعله كغيره من الذنوب مما لا يجدى في الانتصار بل يزيد الشناعة والبشاعة فت
في الاستدلال بخبر كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهى
ثم إن الأخبار الدالة على المط في غاية الاستفاضة بل لا يبعد دعوى كونها متواترة معنوية فمنها ما رواه الصّدوق في يه عن الصّادق عليه السّلام في باب جواز القنوت بالفارسية وهو قوله كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهى وقد رواه الشيخ أيضا وفي روايته امر ونهى والتقريب واضح وحمل المط على كل حكم عام أو مطلق أو حمل ما في الخبر على الشبهة الموضوعية أو على ما يحتمل الوجوب والإباحة أو على ما قبل اكمال الشريعة أو على صورة ما يعم به البلوى أو قبل البعثة أو على التقية من التأويلات والتكلّفات البعيدة مع أن جملة مما ذكر مما لا يصح ارادته جدّا والمناقشة بالارسال