للأولى وجوها قد أشرنا إلى أكثرها في السّابق وأجبنا عنه من قضية الصّبى المراهق والأخبار الدالة على عدم تعلق بعض التكاليف بهذه الأمة دفعا للمشقة ومن قضية اشتراط جملة من الافعال بقصد التقرب وقضية عدم اطراد العلل في الاحكام المعللة مع عدم عموم الحكم بحسب الموارد ثم إن من جملة أدلتها وقوع التكاليف الابتلائية في الشّريعة ومنها التكليف التي ترد مورد التقية إذا لم يكن في نفس العمل تقية والتقريب في الأول بان حسن التكليف لو كان مقصورا على حسن الفعل لما حسن ذلك ولما وقع والتقريب في الثاني بان هذا ممكن بل واقع عن الأئمة ع وان نمنعه في حقّه تعالى وحق النبي ص أيضا وبالجملة فان هذه متّصفة بالحسن والرجحان لما فيها من صيانة المكلف والمكلف من مكائد الأعداء وشرهم مع أن ما كلّف به قد يتجرّد عن الحسن الابتدائي وطريانه بعد التكليف من حيث كونه امتثالا لا يقدح في ذلك فان الكلام في الجهة المتفرع عليها التكليف لا الجهة المتفرّعة عن التكليف وليس التكليف هناك بالمصلحة كما توهّم مثله في الاختيار لأنها من لوازم التكليف كالاختيار دون العمل وليس التكليف ح صوريا محضا مجرّدا ألفاظه عن إرادة المعنى لبعده عن مظان الاستعمال مع أن التكليف في الحقيقة على حسب مؤدّى تلك الالفاظ عند جهل السّامع بخلافها فلا باعث على صرفها عن ظاهرها وتجريدها عن معانيها مع صحّة ارادتها نعم يمكن اخراج ذلك عن موضع النزاع بتخصيصه بتكاليفه تعالى أو مع تكاليف النبىّ ص ولا يتطرق التقية هناك وأنت خبير بأنه قد أناط الامر على مصالح التكليف دون مصالح الفعل الواقعية وعلّله النفس الامرية كما صرّح به مرة بعد مرة فيرد عليه في دليله الأول طائفة من الأبحاث بها تحسم مادة شبهة ومبنى ما اسّس الامر عليه الأول ان الفعل في التكليف الابتلائى هو التوطين وهو المطلوب والمحبوب للّه تعالى كما هو المتصف بالحسن في الواقع والمصلحة في نفس الامر وليس مطلوب اللّه متعلّق الامر وان كان هو المتعلق خاصّة بحسب الظاهر فالتوطين كسائر الافعال من غير فرق بينه وبينها في كونه ذات جهات وعلل يتفرع عليها التكليف والفرق بين التوطين في التكاليف الحقيقية التي تكون المطلوب والمراد فيها اتيان الافعال وحصولها وبين التوطين في غيرها واضح بوضوح الفرق بين الابتلاء المنبعث من التكاليف الحقيقية والتكاليف الابتلائية المحضة الثاني ان ما ذكره من تأسيس هذا الأصل وتقنين هذا القانون مما يرجع بعد امعان النظر إلى مذهب الأشاعرة فلا يكون فرق بينه وبين ما عليهم الا فيما يرجع إلى ما لا يثمر ويشبه النزاع اللّفظى الثالث انه قد علم أن التكليف عبارة عن بعث من يجب طاعته ابتداء فيما فيه مشقة جنسا من حيث هو مشقة فمصالح التكليف من اللطف والتعريض للعقاب والابتلاء واستجلاب الخير ودفع الضرر من المشتركات بين التكاليف بأسرها فلا يكون ما به الاشتراك من قبيل الفصول المميزة والأمور المعينة فإناطة الامر على ذلك تسوق قضية الترجيح بلا مرجّح ولزوم اللغوية والعبث بملاحظة خصوصيات التكاليف كما عرفت وبالجملة انّ دليله هذا من عدم الاستقامة بمنار إذ من اين علم أن الفعل الغير المتصف بالحسن في الواقع قد صار واجبا حقيقيا عند اللّه تعالى بمعنى كونه محبوبا ومطلوبا له تعالى بل العلم القطعي حاصل بخلاف ذلك فانّ ذبح إبراهيم ع ولده إسماعيل لم يزل عن القبح والحرمة عند اللّه تعالى كما كان في مرحلة الواقع ونفس الامر مع قطع النّظر عن تكليف اللّه تعالى كل إذ الامر به في مرحلة الظاهر مع كونه غير مراد في الواقع وعند اللّه ما صيّره محبوبا اتيانه ومطلوبا فعله تعالى وانما هو كل في اعتقاد إبراهيم ع نظرا إلى ظاهر الامر وكل الامر في نحوه من الابتلائيات فالمط كما عرفت هو التوطين ثم إن سرّ العدول عن مثل وطن نفسك على الذبح إلى مثل اذبح واضح إذ لو عبر بالاوّل لسقط الفائدة من الابتلاء والامتحان والحاصل انّ ما ذكره خارج عن حريم النزاع مع اشتماله في تقريبه على المفاسد إذ قد عرفت ان حريم النزاع ومحط التشاجر لم يكن الا في عدم جواز تخلّف الأحكام الشرعية من الواجبات الحقيقية المرادة المحبوبة عن العلل الواقعيّة والمصالح النفس الامرية وجواز ذلك وهكذا الكلام في ساير الأحكام فكيف يكون مثل ما ذكر نقضا لعدم التخلّف
ودليلا على التخلف إذ ما كان البحث في وقوع التكاليف وصدور الخطابات كيف ما كان وانما كان الكلام في التخلف الحقيقي والانفكاك الواقعي وليس ما ذكر من ذلك القبيل جدّا وقد عرفت ان ما اطاله الكلام فيه من قضية ابتناء الامر على مصالح الامر والتكليف مما يعجب ويضحك النكال لما عرفت فان تنطع هذا القائل وأجال فكره وشحذ تخيّله واصلت غرار جودة فهمه وقال انّ تعيين كلّ حكم ليس بالمصالح المشتركة بين الافعال من مصالح التكليف حتى يرد ما ذكرت من انّ ما به الاشتراك لا يكون به الامتياز بل بها مع انضمام جهات كل واحد من الافعال بالنسبة اليه فهذا مما يحصل به التعيين والامتياز فلا غائلة فيما ذكر وبنى عليه الامر قيل له ان هذا التوجيه يوقعك في امّ حبوكرى وداهية أخرى إذ ح يكون ملاك الامر على جهات الفعل ومصالحه خاصّة فهي العلة التامة للتعيين والتمييز أو الجزء الأخير منها فيدار على قطعية الاحكام وامتياز بعضها عن بعض فلا فائدة في ملاحظة جهات نفس التكليف فهي كعدمها في ذلك سواء فلا يجوز تخلف الأحكام الشرعية عن العلل والمصالح النفس الأمريّة ثم لا يخفى عليك انّ دليله هذا ينافي ما ذكره في آخر كلامه في هذا المبحث إذ قد صرّح بعد ذكر أدلته بأنه قد ثبت مما حققنا انتفاء الملازمة الكلية بحسب الواقع بين حكم العقل والشرع ثم قد استثنى من ذلك الوجوب والحرمة يعنى انهما لا يتعاكسان فلا يجعل الشارع ما فيه المصلحة الوجوبية في الواقع حراما ولا بالعكس فما عدا ذلك من الاحتمالات المتصورة حتى اخلاء الواقعة عن الحكم جائز فإذا أحطت خبرا بذلك يظهر لك انه يرد عليه بالنسبة إلى دليله الأول بحث آخر وهو بحث التدافع والتناقض بين ما تضمّنه وبين ما ذكره في آخر كلامه إذ ما ذكره
خزائن الأحكام — صفحة 118
مساهمون: آقا بن عابد الدربندي
ص١١٨