مما يلزم الخصم إلّا انه مما يكسر صولته فالدليل الملزم لمنكري الحجّية على سبيل الاطلاق والارسال وان كانوا ممن يذعن بحاكمية العقل بالملازمة هو انّ لازم كلامهم انسداد باب اثبات الشرع بافحام الأنبياء والتقريب واضح فلا يبقى من هذه الجهة بينهم وبين الأشاعرة فرق ثم ما قرر وبيّن في المقدمات السّابقة إذا أمعن فيه النّظر يتضح منه فساد هذه المقالات خصوصا مقالة من يذعن بحاكمية العقل بالملازمة وينكر حجية احكامه مع اذعانه بحجّية الظنون الحاصلة من الخطابات بحسب المناطيق والمفاهيم والايماءات والإشارات وهذا الذي أشرنا اليه مما يلزم به المفصّل بين النظريات والضّروريات الحاكم بالحجّية بالثاني دون الأول إذ المعرفة ليست من الضروريات نعم لا يلزم به المفصّل بين الاعتقادات والفروع وبالجملة فاثبات الملازمة غنى عن تجشم الاستدلال وقد ادّعى بعض أصحابنا المحققين وضوحه فالاذعان بحاكمية العقل بالملازمة دون الحجّية كاد ان يكون مما لا يتعقل له معنى ولهذا ترى أكثر منكري الحجّية انما ينكرونها لانكارهم الملازمة وستطلع على زيادة توضيح
ادلّة المنكرين للملازمة
ثم الدليل الوارد على الكل من المنكرين على سبيل الاطلاق والمفصّلين بأحد من التفصيلين أمور الأول ما عليه أصحابنا الاماميّة من اجماعهم واتفاقهم على وجوب اللطف على اللّه تعالى وكون ارسال الرّسل وانزال الكتب منه ككون تعاضد العقل بالنقل فيما يستقل به العقل منه وهذا يعم الأصول والفروع والنظريات والضروريات فيثبت الملازمة كما يثبت الحجّية وقول البعض بان هذا البيان لا يقتضى قيام الاجماع على ثبوت الملازمة وانما يقتضى قيامه على ادراك العقل البعض الاحكام مما لا يصغى اليه إذ التعاضد لا يتعقل إلا على تقدير ثبوت الملازمة والحجية والثاني الأخبار الواردة في العقل البالغة حد التواتر المعنوي وهي بين ناصّ في المط وظ فيه فمن الأول ما في رواية ابن سنان الحجة فيما بين العباد وبين اللّه العقل ورواية هشام ان للّه على الناس حجتين حجّة ظاهرة وحجة باطنة فاما الظاهرة فالرّسل والأئمة والأنبياء عليهم السلم واما الباطنة فالعقول ورواية أبى الجارود انما يداقّ اللّه العباد في الحساب يوم القيمة على قدر ما اتاهم من العقول في الدنيا ورواية ان العقل دليله ومبصره ومفتاح امره ورواية سهل قاتل هواك بعقلك تسلم لك بالمودّة وتظهر لك الحجة وغير ذلك ومن الثاني الأخبار الكثيرة الحاكمة بانّ العقل هو ما يثاب ويعاقب به وهو ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان فلما تمسّك بعض أصحابنا المحققين بثا في النوعين أورد عليه البعض بان هذه الأخبار لا تدل على حجية العقل ولا على ثبوت الملازمة وانما تدل على أن الثواب والعقاب لا يترتبان على العبد بدون العقل وهذا كما ترى عجيب وبالجملة فالأخبار الدالة على حجية العقل مما لا يستصغر ولا ينكر وخطب أمير المؤمنين ع في نهج البلاغة مشحون بما يدل على ذلك الثالث الآيات الكثيرة الدالة على ورود الأحكام الشرعية على طبق الأمور المقررة في الواقع والمركوزة في العقول بملاحظة ما فيها من الأمور الدالة على المط مثل قوله تعالى ان اللّه يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والتقريب في ذيل الآية ظ لان الفحشاء قبيح عرفا ولغة وما هو فحشاء ومنكر في الواقع فهو منهىّ عنه فيكون ما قطع به العقول من القبائح محرّمة والمط ثابت على انشائية الآية واخباريتها الا ان الأخير ظ لا يقال إن المقصود اثبات حجّية فيما لم يعثر فيه العقل على الشرع فلا يصحّ اثبات حرمة القبائح العقلية بالشرع لان هذا توهم والمقصود اعمّ من ذلك وكلمات الفريقين من المنكرين والمثبتين تنادى لما قلنا فنفع اثبات الملازمة والحجية بعد ورود الشرع أيضا مما لا ينكر مع أن ما يهمّنا اليوم ليس الا ذلك فتحقق النزاع المثمر في مثل هذا اليوم أيضا مما لا شكّ فيه فان قلت إن غاية ما يستفاد من الآية هو كون الأحكام الشرعية على طبق الأحكام العقلية الواقعية بمعنى التطبيق بينهما في مرحلة الواقع وليس في هذا ايماء إلى ادراك العقل فضلا عن حجّية قلت الآية كما تدل على ما ذكرت كذا تدل على ما ذكرنا والسياق احقّ شاهد لذلك ومع قطع النظر عن ذلك ففيها ما يدل على ما قلنا وهو وقوع المنكر والمتبادر والمنكر عند العقل وحمله على الامر الواقعي كحمل الفحشاء لازمه عطفه عليه عطف تفسير وهو خلاف الأصل وبالجملة الآية ظاهرة في المط ومن هنا ينقدح صحّة التمسّك بصدرها بل يمكن التمسّك بكل من الصدر والذيل على كل من الحكمين فلا تغفل ومن الآيات الدالة على المط قوله تعالى
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
والتقريب بحمل الفواحش على الفواحش العقلية والقبائح الواقعية وحمل الظاهر منها على الظاهر عند العقول والباطن منها على الخفي عندها بحيث لو انكشف الوجه الواقعي فيه لحكم العقول فيه بمثل ما حكم في الظاهر والمناقشة ببعض ما تقدم كالمناقشة بان المراد من الظاهر والباطن القبائح الظاهريّة المتحققة في الاعمال الظاهرية كالكذب والظلم والزنا والقبائح الباطنية المتحققة في ضمن مثل الحسد والبخل والكفر ونحو ذلك فلا تدل الآية على تحقق ادراك العقل القبائح الواقعية فضلا عن حجيته مما لا يصغى اليه إذ الجواب من الأول مرّ والجواب عن الثاني ان المتبادر من الآية ما أشرنا اليه
ومنها قوله تعالى
يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ
والتقريب بحسب الصدور واما بحسب الذيل فبان المراد من الطيبات الافعال الطيبات الواقعيّة ومن الامر الأعم الشامل للندب بل الإباحة أيضا ومن ذلك يعلم المراد من الخبائث والمراد من التحريم على أن بحمل الطيبات على الواجبات العقلية والقبائح على محرماتها أيضا يتم المط ويمكن ان يقال انّ هذه الآية لا تدل على المط لظهور الطيبات والخبائث في الأشياء المتحققة في الخارج لا الافعال هذا ولكن يعارض ذلك احتياج الآية على هذا التقدير على تقدير شيء واضماره وبالجملة فوجود ما يصلح التمسّك في