ولو سلّم كاشفيته عنهما - بحيث يكون المنكشف متعدّداً - لكنّه لم يكن في عرض كشفه عن إرادةٍ حتمية ، بل في طولها ، ومع الطولية لا يعقل بقاء الكاشفية بعد رفع الوجوب ، بل لو فرض العرضية لم يمكن ذلك أيضاً ؛ لأنّه مع سقوط الكاشف لا مجال للكشف .
نعم ، يتمّ ذلك لو كانت هناك كواشف متعدّدة ومنكشفات كذلك في عرض واحد ، ولكن لا أظنّ الالتزام به من أحد .
الوجه الثاني : ما أشير إليه في تقرير المحقّق العراقي قدس سره ، وهو : أنّ مقتضى الجمع بين دليلي الناسخ والمنسوخ ، والقدر المتيقّن من دليل الناسخ ، إنّما هو رفع خصوص جهة الإلزام ، وفيما عداها يؤخذ بدليل المنسوخ ويحكم بمقتضاه . باستحباب الفعل وجوازه نظير الجمع بين دليلٍ ظاهره الوجوب ، كقوله : « أكرم زيداً » ، ودليلٍ آخر نصّ في الجواز ، كقوله : « لا بأس بترك إكرام زيد » ، بحمل الأوّل على مطلق الرجحان والاستحباب .
وبالجملة : فكما أنّه يجمع هناك بينهما ؛ فيؤخذ بظهور دليل الوجوب في مطلق الرجحان ، ويرفع اليد عن ظهوره في الإلزام وجهة المنع عن النقيض ، كذلك في المقام أيضاً . فإذا لم يكن لدليل النسخ دلالة على أزيد من رفع الوجوب ، فلا جرم يؤخذ بظهور دليل المنسوخ في مطلق رجحانه ، وبذلك يثبت استحبابه « 1 »
. وفيه : أنّه فرق بين المقام وما هناك ، وقياس أحدهما بالآخر قياس مع الفارق ، وذلك لأنّ الجمع هناك لأجل تحكيم النصّ ، أو الأظهر على الظاهر ، ورفع اليد عن الظاهر بالقرينة على خلافه ، وأنّه استعمل في الاستحباب من أوّل الأمر .
هامش
( 1 ) - نهاية الأفكار 1 : 390 ، بدائع الأفكار 1 : 413 .