تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ثلاث رسائل — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
وورد في مجمع البحرين : أنّ
ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
أي ما ضيّق . وهذا يعني أنه فسّر الحرج بالضيق . ولكن أرى أنّ تفسيره ب « ما ضيّق » يستقيم معه معنى الجملة . فيكون معنى الآية « ما ضيّق بأن يكلّفكم ما لا طاقة لكم به وما تعجزون عليه » وسبق وأن قلنا : إنّ العجز وعدم الطاقة ليس بمعنى الحرج . لكن نعود فنقول : إنّ الأساس هو أنّه فسّر الحرج بالضيق والتضيّق . بعد ذلك يورد صاحب مجمع البحرين قولًا يؤيّد فيه ما جاء في كتاب النهاية . يقول صاحب مجمع البحرين : وفي كلام الشيخ علي بن إبراهيم - وهو من الأدباء واللغويين - الحرج الذي لا مدخل له ، والضيقة ماله مدخل . إذن الضيق فيه مندوحة ومهرب ، وأمّا الحرج فلا مفرّ منه ولا مهرب . وظاهر هذا الكلام ، أنّه مرادف لما جاء في النهاية من أنّ الحرج هو أضيق الضيق . وأدقّ ما ورد في تفسير هذا الكلمة ، هو ما قال الراغب الأصفهاني في مفرداته ، - وهو من الكتب النفيسة جدّاً - من أنّ أصل الحرج والحراج ، هو مجتمع الشيء وتصوّر منه ضيق بينها ، فقيل للضيق حرج ، وللإثم حرج . إذن من هنا نفهم أنّ الحرج ليس بمعني الضيق ، ولا بمعنى الإثم ، بخلاف ما أورده صاحب النهاية إذ يقول : الحرج في الأصل الضيق ، بل هو اجتماع أجزاء شيء واحد وحدوث تداخل وترابط فيما بينهم . هذا الاجتماع هو ما يسمّى بالحرج . ويلزم عن حالة الاجتماع هذه الضيق . لأنّ الشيء إذا كانت أجزاؤه متفرّقة فلا ضيق ، وأمّا إذا تجمّعت في مكان واحد ، خاصّة إذا كان الشيء من قبيل السوائل التي لها تركيب خاص ، حينئذٍ فإنّ الاجتماع يستلزم الضيق . أي أنّ الأشياء تداخلت فيما بينها وترابطت ، ومن هنا عبر عن المعنى الحقيقي للحرج بأن قال : هو مجتمع الشّيء - على حدّ تعبيره - وقوله تصوّر منه ، يعني استلزم من حالة الاجتماع ضيق فيما بين الأجزاء .