وبذلك فهو يعطي لكلمة الحرج معنى لا نجده من أيّ من الكتب التي أشرنا إليها آنفاً . ثمّ يقول : فقيل للضيق حرج - أي أنّ استعمال كلمة الحرج في معنى الضيق جاء في رتبة متأخّرة - وللإثم حرج . أمّا استعمال كلمة الحرج في معنى الإثم فقد ورد في التفاسير . والإثم أحد مصاديق الضيق . لأنّ الإثم يعني أنّ هناك تقصير من قبل العبد تجاه المولى ، وبعبارة أخرى ، هناك مؤاخذة على العبد في مقابل الباري تعالى ، وهذه المؤاخذة تعدّ ضيقاً على العبد وضيقاً على العاصي . وحتّى مع عصيان العبد وتمرده فإنّ الضيق متحقّق . إذن الإثم أيضاً هو من مصاديق الضيق بالشكل الذي أشرنا إليه . ومن جهة أخرى هناك بعض الآيات الكريمة التي يستفاد منها بأنّ الحرج بمعنى الضيق كما استفيد هذا المعنى من مفردات الراغب هذا . فالآية الكريمة تنصّ على ذلك حيث قال تعالى :
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً
« 1 » هنا كلمة
« حَرَجاً »
يقصد بها نفس الضيق ، ولا يراد بها معنىً آخر . بل يمكن اعتباره نوعاً من الفنّ في التعبير ، حيث ذكر كلمة
« ضَيِّقاً »
ابتداءً ثمّ قال
« حَرَجاً »
فالجمع بينهما في هذه الآية يمكن أن نسوقه كدليل على أنّ الحرج هو نفس الضيق ، وإلّا لا يمكن أن نتصوّر أنّ الآية تريد أن تخطر في الذهن معنيين مختلفين . وقد اختلف في تفسير الآية ، وخاصّة في كيفية :
يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً
؟
ويمكن تصوّر هذا المعنى بأن نقول : إنّ كلّ من كان على صراط غير مستقيم ، وعلى غير الإسلام ، فإنّه يفتقد الاطمئنان والسكينة ، وهذا ما يظهر من قوله تعالى :
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
« 2 » والقلب الذي يفتقد الطمأنينة والسكينة هو قلب
هامش
( 1 ) . الأنعام : 125 .
( 2 ) . الرعد : 28 .