خاصّة يجعلنا نتساءل : لما ذا نعتبر الجهاد أمراً حرجيّاً ؟ بل هو مسألة طبيعية ؛ إذن مجرد احتمال خطر الموت ، أو ذهاب الأموال لا يوجب القول بحرجيته . فلو كان حرجيّاً لهرب الجميع ، ولمّا وجد هناك من يتصدّى لمهامّ الحرب والجهاد ، في حين نرى أنّ الحرب أمرٌ طبيعي رافق البشريّة منذ تأريخها الأوّل واشترك فيها الجميع .
الحرج من خلال الملاكات والمصلحة :
ولكن أفضل ردّ على الإشكال هو الردّ الثاني لصاحب الفصول ، ومفاده هو :
إنّنا إذا أردنا أن نعيّن كون الفعل حرجيّاً أو لا ، لا بدّ من أن نلحظ جانب المصلحة في الفعل ، فليس من الصحيح أن نلحظ صورة الفعل بما فيه من خصوصيّة ، هل هو حرجيّ ، أم لا ؟ بل الصحيح أن نرى ما هو الهدف من وراء هذا الفعل ؟ وما هي المصلحة المترتّبة عليه ؟ فالدقّة في هذه اللحاظات له مدخلية في كون الفعل حرجيّاً أو غير حرجيّ . ونورد مثالًا على ما قلناه غير المثال الذي أورده صاحب الفصول ، لنفرض أنّ إنساناً بقي مستيقظاً طوال الليل ولم ينم أبداً ، هنا لا يمكننا أن نقول : إنّ عمله هذا حرجيّ أو غير حرجيّ ، أي لا نستطيع أن نحكم عليه . بل يجب أن نرى وقبل كلّ شيء ما هي المصلحة من بقائه مستيقظاً . فلو أراد أن يسهر طوال الليل لأمرٍ ثانوي غير مهم ولنفرض أنّه لم ينم ليلته مقابل شيء يسير من المال ، فالسهر ليلة كاملة هذا يعدّ أمراً حرجيّاً ، ولكن نفس هذا السهر ، لو كان لإحياء ليلة القدر وطلب ما في هذه الليلة من أجرٍ وثواب عظيم لا يعتبر أمر حرجيّ فحسب ، بل الإنسان يتمنّى أن تكون كلّ ليلة من ليالي شهر رمضان ليلة القدر كي يبقى مستيقظاً ليطلب الفيض الإلهي ويستفيد من بركاته . وهذه المسألة عرفيّة .
ولنفرض أنّ إنساناً بقي مستيقظاً حتّى الصباح يرعى مريضاً يحتاج إلى رعايته