الشارع ردعه هو ردّ السيرة التي جرت عليها العقلاء حسب ارتكازهم ، وأمّا مع عدم الجري على طبق الارتكاز فما هو الغرض حاصل من دون ردع .
وبالجملة : أنّ جواز العمل بالأمارات العقلائية يتوقّف على ثبوت أحد أمرين :
إمّا إمضاء الشارع إيّاه بدليل لفظي ، وإمّا عدم ردعه مع كون العمل منهم عليها بمرأى ومنظر منه ، والدليل اللفظي غير موجود ، وعدم الردع غير محرز الشرط .
نعم ، يمكن أن يقال : إنّ دائرة السيرة أوسع من العمل برأي الحيّ ما دام حيّاً ؛ فإنّهم إذا أخذوا الرأي من الحيّ يعملون به ؛ حتّى بعد موته ، ويجدون أنفسهم غير محتاجين إلى أن يرجعوا إلى فقيه آخر . وهذه هي السيرة المستمرّة بين العقلاء إلى يومنا هذا .
ويمكن استفادة ذلك من الأخبار الماضية التي أرجع الإمام شيعتهم أو السائل إلى فقهائهم أو إلى واحد معيّن منهم .
فقد قال علي بن المسيّب للرضا : شقّتي بعيدة ، ولست أصل إليك في كلّ وقت ، فممّن آخذ معالم ديني ؟ قال : « من زكريا بن آدم المأمون على الدين والدنيا » « 1 » .
أتظنّ أنّ علي بن المسيّب فهم منه أنّه يجب عليه الرجوع عليه والأخذ بآرائه ، غير أنّه إذا مات وقضى نحبه تسقط تلك الآراء عن الحجّية ، ويجب عليه الرجوع مرّة ثانية إلى الإمام حتّى يعيّن فرداً آخر ؟
لا أظنّ أنّه فهم ذلك ، بل القطع على خلافه ؛ فلو كان الحياة شرطاً في جواز العمل بالرأي لكان عليه عليه السلام التنبيه عليه ؛ لشهادة ارتكاز كلّ عاقل على عدم الفرق
هامش
( 1 ) - تقدّم في الصفحة 618 .