الثاني : أنّ رؤوس كلّ فرقة ونحلة قد اجتمعوا ، فرأوا أنّ مصلحة مللهم ونحلهم - حفظاً لرغد عيشهم ، وتسهيلًا لأمرهم - أن يرجع جاهل كلّ مورد إلى عالمه ، فوصل هذا من السلف إلى الخلف ؛ حتّى دار بينهم أجيالًا وقروناً ، وصار من الأمور الارتكازية .
لكنّه بمراحل من الواقع ، بل مقطوع خلافه ؛ لأنّ تصادف القوانين البشرية من باب الاتّفاق بعيد ، بل ممتنع عادة ؛ فالأمم الغابرة المتبدّد شملهم ، المتفرّق جمعهم ، المفقود عندهم عامل الارتباط والاجتماع كيف اجتمعوا ورأوا أنّ مصالح الأمم ذلك ، مع تفرّقهم في أصقاع مختلفة وأمكنة متباعدة ؟ !
الثالث : أن يكون ذلك لأجل إلغاء احتمال الخلاف والغلط في عمل أهل الصنائع والفنون ، وما يلقيه إليهم العلماء وأصحاب الآراء في المسائل النظرية ، ووجه ذلك الإلغاء هو ندرة المخالفة وقلّتها ؛ بحيث لا يعتني بها العقلاء ، بل يعملون به ؛ غافلًا عن احتمال المخالفة ؛ بحيث لا يختلج في أذهانهم الريب والشكّ .
وإن أوجدنا عندهم وسائل التشكيك ربّما ينقدح في قلوبهم ، فهو عندهم علم عرفي يوجب الطمأنينة . وهذا - إلغاء احتمال الخلاف ؛ لندرة المخالفة للواقع - هو الأساس لأكثر السِيَر الدارجة عندهم ؛ من العمل بالأمارات وأصل الصحّة وقاعدة اليد ، وهذا الوجه أقرب الوجوه .
ويرد عليه : أنّ دعوى إلغاء احتمال الخطأ فيما نحن فيه غريب جدّاً مع ما نشاهده ، ويشاهد العقلاء من كثرة الاختلاف بين الفقهاء في المسائل الفرعية ، بل الاختلاف الموجود في كتب فقيه واحد ، ومع ذلك كيف يمكن أن يكون هذا الإلغاء لأجل ندرة المخالفة للواقع ؟ !
اللهمّ إلّا أن يقال : إنّ رجوع العقلاء إلى أصحاب الفتيا مبني على غفلتهم عن
تهذيب الأصول تقرير أبحاث السيد روح اللَّه موسوى الخميني — صفحة 622
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٦٢٢