أمّا الثاني : فيمتاز التجرّي عنها في انطباق عنوان المخالفة عليها دونه ، ولا إشكال في حكم العقل بقبح مخالفة أمر المولى ونهيه مع الاختيار ، والعقلاء مطبقون على صحّة المؤاخذة على مخالفة المولى بترك ما أمره وارتكاب ما نهى عنه ، ولا ريب أنّ تمام الموضوع في التقبيح هو المخالفة فقط ، من غير نظر إلى عناوين اخر ، كهتكه وظلمه وخروجه عن رسم العبودية إلى غير ذلك .
كما أنّها تمام الموضوع أيضاً عند العقلاء ، الذين أطبقوا على صحّة مؤاخذة المخالف ، من غير فرق فيما ذكرنا بين أن يكون نفس العمل ممّا يحكم العقل بقبحه مستقلًّا كالفواحش ، أو لا كصوم يوم العيد والإحرام قبل الميقات .
والحاصل : أنّ العقل إذا لاحظ نفس مخالفة المولى عن اختيار يحكم بقبحه مجرّدة عن كافّة العناوين ؛ من الجرأة وأشباهها .
وأمّا الأوّل - أعني الجهة المشتركة بينهما - فهي الجرأة على المولى والخروج من رسم العبودية وزيّ الرقّية والعزم والبناء على العصيان وأمثالها .
وأمّا الهتك فليس من لوازم التجرّي ولا المعصية ؛ فإنّ مجرّد المخالفة أو التجرّي ليس عند العقلاء هتكاً للمولى وظلماً عليه .
وعند ذلك يقع البحث في أنّ التجرّي هل هو قبيح عقلًا أو لا ، وعلى فرض قبحه هل هو مستلزم للعقاب أو لا ؛ لما عرفت « 1 » من عدم الملازمة بين كون الشيء قبيحاً وكونه مستلزماً للعقوبة .
والذي يقوى في النفس سالفاً وعاجلًا : عدم استلزامه للعقوبة ؛ سواء قلنا بقبحه أم لا .
هامش
( 1 ) - تقدّم في الصفحة 302 .