وأعجب من ذلك : ما أفاده من أنّ الأحكام الكلّية في عرض واحد ، فلا مجال لتأكيد أحدهما الآخر إلّا إذا كان متعلّقها الأمور الخارجية مع فرض تأخّر أحدهما عن الآخر ؛ وذلك لأنّ مدار التأكيد هو تشخيص العرف دون التقدّم والتأخّر ، بل لو فرض إمكان التكلّم بشيء واحد مرّتين في آنٍ واحد لحكم العرف بأنّ المتكلّم أتى بشيء مؤكّد ، كما هو كذلك في البعث اللفظي المقارن للإشارة الدالّة عليه . نعم لو تأخّر أحدهما ينتزع التأكيد من المتأخّر .
الثاني من الوجهين : الالتزام بأنّ الأسباب أسباب لنفس الأفعال لا الأحكام ، ولا يلزم منه الانفكاك بين العلّة والمعلول ؛ لأنّها أسباب جعلية لا عقلية ولا عادية ، ومعنى السبب الجعلي أنّ لها نحو اقتضاء في نظر الجاعل بالنسبة إلى المعلول .
وبعبارة أخرى : أنّ ظاهر الشرطية كونه مقتضياً لوجود المسبّب ، وأنّ اقتضائه لوجوبه من تبعات اقتضائه لوجوده . وحيث إنّ اقتضائه التشريعي لوجود شيء كونه موجباً لوجوبه ، وحينئذٍ لازم إبقاء ظهور الشرط في المؤثّرية المستقلّة اقتضاؤه وجوداً مستقلًّا ، انتهى .
قلت : هذا الوجه ممّا لم يرتضه الشيخ نفسه ؛ حتّى قال : إنّه لا يسمن شيئاً « 1 » ، ولكن ارتضاه بعض محقّقي العصر رحمه الله ، واعتمد عليه في « مقالاته » « 2 » .
والإنصاف : أنّه لا يسمن ولا يغني من جوع ؛ إذ بعد الاعتراف على أنّ معنى السببية الجعلية هو الاقتضاء لا المؤثّرية الفعلية - فراراً عن انفكاك العلّة عن معلولها - فلا منافاة بين استقلال الاقتضاء وعدم تعدّد الوجود ؛ لأنّ معنى استقلاله
هامش
( 1 ) - مطارح الأنظار : 180 / السطر 24 .
( 2 ) - مقالات الأصول 1 : 407 .