الثالث من المناقشات - وهو أيضاً يستفاد من كلامه قدس سره - وحاصله : أنّه لو توقّف وجود الضدّ على عدم ضدّه لزم الدور ؛ لأنّ التوقّف لأجل التمانع من الطرفين ، فعدم أحد الضدّين أيضاً متوقّف على وجود الآخر ؛ توقّف العدم على وجود مانعه « 1 » ، انتهى .
قلت : إنّ مقتضى التمانع بين الضدّين هو أنّه لو توقّف وجود الضدّ على عدم الآخر لزم أن يتوقّف وجود الضدّ الآخر على عدم ذاك ، لا أن يتوقّف عدم الآخر على وجوده ، فيرتفع الدور ؛ لاختلاف الموقوف والموقوف عليه ؛ لأنّ وجود البياض متوقّف على عدم السواد ، ووجود السواد متوقّف على عدم البياض ؛ أخذاً بحكم التمانع بين وجودي الضدّين ، لا أنّ عدم السواد متوقّف على وجود البياض حتّى يتخيّل الدور ؛ لأنّ العدم ليس بشيء حتّى يتوقّف تحقّقه على شيء .
ثمّ إنّ التحقيق : أنّ التوقّف باطل مطلقاً ؛ أي لا يتوقّف العدم على شيء ولا يتوقّف شيء عليه .
وتوضيحه - وإن كان ما أوعزنا إليه كافياً في رفع الحجاب - هو أنّ العدم ليس أمراً حقيقياً واقعياً ، بل هو مفهوم اعتباري يصنعه الذهن إذا تصوّر شيئاً ، ولم يجده شيئاً إذا رجع إلى الخارج وتفحّص عن مظانّه ، وحقيقته خلوّ صحيفة الوجود عن الشيء المتصوّر بالسلب التحصيلي وخلوّ نفس الأمر عن وجوده ؛ فيكون مقابل الوجود ومقابل نفس الأمر بمراتبه الطولية ، وما شأنه هذا يكون بطلاناً محضاً ، ولا يعقل أن يصير دخيلًا في تحقّق شيء أو متأثّراً من شيء ؛ إذ ما لا شيئية له يسلب عنه جميع الأمور الثبوتية ؛ ومنها التوقّف بكلا قسميه بالسلب التحصيلي .
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 161 .