هذا ، ولكنّه لا يثبت ما ادّعاه القائل ؛ لأنّ كون القوى تحت إرادة النفس وإطاعتها لا يثبت سوى أنّ النفس إذا أرادت تحريكها في الحال تحرّكت الأعضاء ، ونحن لا ننكره ، وهو غير القول بأنّ الإرادة لا تتعلّق بأمر استقبالي .
بل أقول بلحن صريح : إنّ ما اشتهر بين الأعاظم - ومنهم شيخنا العلّامة قدس سره - أنّ الإرادة علّة تامّة للتحريك ، ولا يمكن تخلّفها عن المراد ، وأنّها العلّة التامّة أو الجزء الأخير منها « 1 » ممّا لم يقم عليه برهان ؛ وإن أخذه القوم أصلًا موضوعياً ، ونسجوا على منواله ما نسجوا . وكيف ، وقد عرفت قيام البرهان على خلافه وقضاء الوجدان على مقابله ؟ !
وإن كنت في ريب فاستوضح من مكان آخر ، وهو أنّ إرادة اللَّه تعالى قد تعلّقت أزلًا بإيجاد ما لا يزال من الحوادث على الترتيب السببي والمسبّبي ، من غير وصمة الحدوث وتطرّق التجدّد في ذاته وإرادته تعالى ، كما برهن عليه في محلّه « 2 » . ولا يمكن أن يقال في حقّه سبحانه : « كان له الشوق ، ثمّ صار إرادة ، وبلغ حدّ النصاب » .
وما قرع سمعك أنّ الإرادة فيه تعالى هو العلم بالنظام الأصلح يحتاج إلى التوضيح المقرّر في محلّه « 3 » ، ومجمله : أنّه إن أريد به اتّحاد صفاته تعالى فهو حقّ ، وبهذا النظر كلّها يرجع إلى الوجود الصرف التامّ وفوق التمام ، وإن أريد نفي صفة الإرادة فهو إلحاد في أسمائه تعالى ، بل مستلزم لتصوّر ما هو أتمّ منه ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً .
هامش
( 1 ) - غرر العوائد من درر الفوائد : 34 .
( 2 ) - راجع الحكمة المتعالية 6 : 334 و 7 : 282 .
( 3 ) - نفس المصدر 6 : 316 و 332 .