في محلّه قبل وجوده ، وهنا نقول : إذا أمر الآمر بشيء بقصد الآمر فقد أخذ الأمر مفروض الوجود ؛ فرضاً مطابقاً للواقع ، ولا معنى لمطابقته إلّا كونه متحقّقاً في محلّه .
والحاصل : أنّ هذه الوجوه الثلاثة مع كونها متقاربة المضمون لا تصلح للمانعية ؛ لأنّ مرجع الأوّل إلى عدم تصوّر الشيء قبل وجوده ، وهو لا ينبغي أن يصدر عمّن تأمّل فيما يفعله يسيراً ؛ إذ الأفعال الاختيارية الصادرة عن الإنسان يكون تصوّرها مقدّماً على وجودها .
كما أنّ البرهان الثاني مبني على أساس منهدم في محلّه ؛ إذ الأمر متعلّق بالطبائع المتصوّرة الذهنية ، لا بقيد التحقّق الذهني دون الخارج ، وهي متقدّمة بقيودها على الأمر ، فلا يلزم تقدّم الشيء على نفسه .
كما أنّ الوجه الثالث مشتمل على مغالطة بيّنة ؛ حيث إنّ فرض تحقّق الشيء قبل وجوده غير تحقّقه كذلك ، فتدبّر وأجدّ فتجد .
وهناك وجه آخر لتقرير امتناعه الذاتي ، وملخّصه : أنّ التكليف بذلك المقيّد موجب للجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي ؛ لأنّ الموضوع بقيوده لا بدّ وأن يكون ملحوظاً استقلالًا ، وبما أنّه طرف لإضافة القيد المأخوذ في الموضوع لا بدّ من لحاظه أيضاً استقلالًا ، والأمر بما أنّه آلة البعث إلى المطلوب لا يلحظ إلّا آلة إليه ، فيجمع فيه بين اللحاظين المتنافيين « 1 » ، انتهى .
والعجب أنّ القائل كيف لم يتفطّن على أنّ اللحاظين المتنافيين لم يجتمعا في وقت واحد ، وأنّ اللحاظ الاستقلالي مقدّم على الآلي منهما ؟ ! إذ قد عرفت أنّ الموضوع بتمام قيوده - ومنها قصد الأمر على المفروض - مقدّم تصوّراً على الأمر
هامش
( 1 ) - انظر نهاية الأصول : 112 .