فحينئذٍ : افتراق الإرادة القوية عن الضعيفة بنفس حقيقة الإرادة ؛ إذ هي ذات مراتب شتّى وصاحبة عرض عريض ، ولا يكون الاختلاف بينهما بتمام الذات المستعمل في باب الماهيات ؛ ضرورة عدم التباين الذاتي بين الإرادة القوية والضعيفة ، ولا ببعض الذات ؛ لبساطة الإرادة في جميع المراتب ، ولا بأمر خارج ؛ لأنّه يلزم أن يكون كلتا الإرادتين في مرتبة واحدة ، وقد عرضت الشدّة والضعف على ذاتهما كعروض الأعراض على موضوعاتها ، وهو كما ترى . فالتشكيك واقع في ذاتها وبذاتها .
الثالث : الأفعال الإرادية الصادرة عن الإنسان لا بدّ وأن تكون مسبوقة بالإرادة ومبادئها من التصوّر ؛ حتّى تنتهي إلى الإرادة ويتبعها تحريك العضلات وأعمال الجوارح ؛ من اليد والرجل واللسان ، حسب ما يقتضيها سنخ الفعل .
والبعث باللفظ بما أنّه فعل اختياري صادر عن الآمر لا محيص عن مسبوقيته بمبادئ الاختيار ؛ حتّى التحريك للعضلات ؛ وهو اللسان هنا .
كما أنّ ما سبق في الأمر الأوّل من أنّ شدّة الإرادة وضعفها تابعة لإدراك أهمّية المراد جارٍ في نفس البعث أيضاً ، بل ربّما تدرك شدّة الإرادة من أثناء الكلام وزواياه ، كما لو أدّاه بلحن شديد أو بصوت عالٍ أو قارنه بأداة التأكيد أو عقّبه بالوعد والوعيد ، كما أنّه يدرك من خلاله فتور الإرادة وضعفها إذا قارنه بالترخيص في الترك أو جعل جزاء الترك أمراً طفيفاً يرجع إلى حال العبد في دنياه ، وغير ذلك ممّا يلوح منه الوجوب الكاشف عن شدّة الإرادة بعرضها العريض ، أو الاستحباب الكاشف عن ضعفها كذلك .
ثمّ إنّ البعث بالهيئة ليس باعثاً بالذات ومحرّكاً بالحقيقة ، وإلّا لما انفكّ باعثيته عنه ، وما وجد في أديم الأرض عاصٍ ولا طاغٍ ، ولما كان هناك ثواب لمن
تهذيب الأصول تقرير أبحاث السيد روح اللَّه موسوى الخميني — صفحة 196
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٩٦