ويشهد لذلك : أنّا قد نعلم معنى مادّة ونجهل معنى الهيئة ، كما لو فرض الجهل بمعنى هيئة اسم الآلة في مضراب ، مع العلم بمعنى الضرب ، فلا إشكال في أنّا نفهم أنّ للضرب هاهنا تطوّراً وشأناً ، وليس هذا إلّا للوضع ، كما أنّ دلالة الهيئة على معناها مع الجهل بمعنى المادّة دليل على وضعها مستقلًاّ نوعياً ، مع أنّ بعض المصادر قياسي ، فلا بدّ له من مادّة سابقة .
ثمّ إنّ وضع المادّة شخصي ، ولا يلزم من تطوّرها بالهيئات أن يكون نوعياً كما قيل « 1 » - وهي الحقيقة العارية عن جميع فعليات الصور - فكأنّها هيولى عالم الألفاظ ، نظير هيولى عالم التكوين ، على رأي طائفة من أهل النظر « 2 » .
فإن قلت : إنّ اللفظ الموضوع لا بدّ وأن يكون قابلًا للتلفّظ به ، والمادّة الخالية عن التحصّل يمتنع التلفّظ بها .
قلت : إنّ الغاية من وضعها ليست الإفادة الفعلية حتّى تستلزم فعلية إمكان التنطّق بها .
والحاصل : أنّ الموادّ موضوعة بالوضع التهيّئي لأن تتلبّس بهيئة موضوعة ، ومثلها لا يلزم أن يكون من مقولة اللفظ الذي يتكلّم به .
لا يقال : المشهور بين أهل الأدب : أنّ اسم المصدر موضوع لنفس الحدث بلا نسبة ناقصة أو تامّة ، بل المصدر أيضاً - كما هو المتبادر منهما - وعلى هذا فوضعهما للحدث لا بشرط بعد وضع المادّة له أيضاً فاقد لملاك الوضع ؛ لأنّ الهيئة فيهما لا بدّ لها من وضع وإفادة زائدة على المادّة .
هامش
( 1 ) - نهاية الأفكار 1 : 125 ، بدائع الأفكار ( تقريرات المحقّق العراقي ) الآملي 1 : 156 .
( 2 ) - شرح الإشارات 2 : 36 - 47 ، الحكمة المتعالية 5 : 65 - 219 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 214 - 219 .