وأمّا الفتوى فقد تقدّم مراراً : أنّ حجّيّتها إنّما هي من باب الطريقيّة ، وحينئذٍ فجزم المجتهد بحكم في واقعة سبب لكاشفيّة رأيه عن الواقع ، فلو علم عدم اعتبار الشارع شيئاً آخر - كالحياة - في حجّيّته ، لما احتجنا في إثبات حجّيّة رأيه بعد موته إلى الاستصحاب ؛ للعلم حينئذٍ ببقاء حجيّته ؛ لبقاء كاشفيّة رأيه عن الواقع بعد الموت أيضاً ، فالاحتياج إلى الاستصحاب إنّما هو لاحتمال اعتبار الحياة في كاشفيّة رأيه وحجّيّة فتواه ، ولو احتمل ذلك في حجّيّة الأخبار أيضاً افتقر إلى الاستصحاب فيها أيضاً ، فباب الأخبار والفتوى كليهما من وادٍ واحد ، وأنّ الجزم سبب لحجّيّة كلّ واحد منهما ، غاية الأمر أنّه يعلم ببقاء حجّيّة الخبر بعد موت المخبر جزماً من دون الافتقار فيها إلى الاستصحاب ؛ للعلم بعدم اعتبار الحياة فيها ، بخلاف الفتوى لمكان هذا الاحتمال فيها ، ولذا احتجنا إلى الاستصحاب في بقاء حجّيّتها ، ويثبت به بقاء حجّيّتها بعد الموت .
الوجه الثالث من الإيرادات على الاستصحاب المذكور : أنّه يعتبر في الاستصحاب أن يكون المستصحَب حكماً شرعيّاً أو موضوعاً ذا أثر شرعيّ ، وما نحن فيه ليس كذلك ؛ لأنّه لو أفتى الفقيه بوجوب صلاة الجمعة - مثلًا - ففيه أمور :
الأوّل : أنّ فتوى الفقيه أمارة على الحكم الواقعي .
الثاني : نفس الحكم الواقعي .
الثالث : حجّيّتها العقلائيّة .
الرابع : حجّيّتها الشرعيّة .
الخامس : جواز العمل بفتواه .
السادس : الحكم الظاهري المجعول على طبق الأمارة المماثل للحكم الواقعي ، نظير أصالتي الطهارة والحلّيّة الظاهرتين ، وحينئذٍ فإن أريد استصحاب الأمارية العقلائيّة لفتوى الميّت ، فهي ثابتة ومتحقّقة بعد أيضاً لا شكّ في بقائها حتّى تستصحب .
تنقيح الأصول تقرير أبحاث السيد روح الله الموسوي الخميني — صفحة 666
مساهمون: الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي
ص٦٦٦