إلى أهل الخبرة فيه ، والقبول منهم ، والجري العملي على طبق رأيهم في الصناعات وغيرها في كلّ فنّ ، كاستقرار بنائهم على العمل بخبر الثقة واليد وأصالة الصحّة في فعل الغير وغير ذلك ، وأدلّة عدم جواز العمل بالظنّ - مثل قوله تعالى :
« إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً » *
« 1 » ونحوه على فرض تسليم عدم اختصاصها بأصول العقائد كما لا يبعد ذلك - لا تصلح للردع عن هذا البناء ؛ لأنّ هذا البناء الثابت المستقرّ منهم يحتاج الردع عنه إلى بيان أوضح وأوفى من ذلك ، بل لا ينقدح في ارتكازهم وأذهانهم أنّ ذلك من قبيل الظنون ، بل هو علم عاديّ عندهم ، ولا ينقدح أيضاً في أذهانهم أنّ ذلك ردع عن هذا البناء ، كبنائهم على العمل بخبر الثقة واليد .
الشبهة في الاستدلال ببناء العقلاء وجوابها
لكن هنا شبهة تتوقّف استقامة هذا الدليل على دفعها ، وإلّا لم يتمّ ذلك ، وهي أنّ الاستدلال ببناء العقلاء إنّما يتمّ لو ثبت هذا البناء منهم في عصر الأئمّة عليهم السلام بمرأى ومنظرهم ، فإنّه حينئذٍ يصحّ أن يقال : إنّ عدم ردعهم عليهم السلام عن ذلك كافٍ في إمضائهم عليهم السلام له ، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل ، فإنّ رجوع العامّي إلى الفقيه والمجتهد - بالاجتهاد المتعارف في هذه الأعصار - أمر مستحدَث لم يكن في زمانهم عليهم السلام بل المحدِّثون في عصرهم عليهم السلام يتلقّون الأحكام منهم عليهم السلام شفاهاً ، ويروونها لغيرهم ، وأين ذلك من الاجتهاد المتعارف في هذه الأعصار ، المتوقّف على مَئونات ومشقّات كثيرة وإعمال الدقائق العلميّة والعلوم المختلفة ، كالعلوم الرياضيّة وغيرها ؟ !
وبالجملة : الاستدلال ببناء العقلاء فيما نحن فيه ، إنّما يتمّ لو ثبت أحد أمرين
هامش
( 1 ) - يونس ( 10 ) : 36 ، والنجم ( 53 ) : 28 .