الثالث : تقريبه بطريق الانسداد ؛ بأن يقال : لو لم يجز الرجوع إلى الأعلم في مقام الامتثال وتقليده ، لزم إمّا إهمال الوقائع ، وهو باطل بالضرورة ، وإمّا الاحتياط ، وهو مستلزم لاختلال النظام والمعاش ، وإمّا الرجوع إلى غير الأعلم فيلزم ترجيح المرجوح على الراجح ، كما تقدّم في باب الانسداد ، فإذا بطلت التوالي الثلاث ثبت المقدّم ، وهو وجوب تقليد الأعلم .
وفيه : أنّ إهمال الوقائع وإن كان خلاف الضرورة ، وكذلك الاحتياط التامّ موجب لاختلال النظام والعسر والحرج ، لكن التجزّي في الاحتياط لا يوجب ذلك ، كالأخذ بأحوط أقوال المجتهدين ؛ لعدم العلم بوجود التكاليف خارجاً عن دائرة أقوالهم .
وأمّا المقدّمة الأخيرة - وهو لزوم ترجيح المرجوح على الراجح - فإن أريد منه أنّ فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع من فتوى غير الأعلم ، فهو ممنوع ؛ لأنّه كثيراً ما توافق فتوى غير الأعلم فتوى الأعلم من الفقهاء الماضين .
مضافاً إلى أنّ دليل الانسداد لا ينتج إلّا وجوب التبعيض في الاحتياط ، كما قرّرناه في الانسداد الكبير .
وقد يقال : الأصل عدم تعيّن وجوب تقليد الأعلم ؛ لأنّه لو فرض هنا مجتهدان متساويان في العلم ولا أعلم منهما ، فالعقل يحكم بالتخيير بينهما بعد بطلان وجوب الاحتياط ، فلو صار أحدهما بعد ذلك أعلم من الآخر فيشكّ حينئذٍ في بقاء التخيير وعدمه ، فقضيّة استصحاب بقاء التخيير هو التخيير بينهما ، وبعدم القول بالفصل بينه وبين سائر الموارد يثبت المطلوب ؛ أي التخيير مطلقاً .
وقد يعارض ذلك بما لو فرض وجود مجتهد واحد لا غير ، فإنّه يتعيّن تقليده ، فلو وجد مجتهد آخر بعد ذلك ، لكنّ الأوّل أعلم من هذا ، فيشكّ في بقاء تعيين تقليد الأوّل الأعلم وعدمه ، يستصحب تعيّن تقليده ، وبعدم القول بالفصل يثبت تعيّن
تنقيح الأصول تقرير أبحاث السيد روح الله الموسوي الخميني — صفحة 615
مساهمون: الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي
ص٦١٥