الثالث من الوجوه : أنّه لا شبهة في استعمال أدوات النداء والتنبيه والترجّي والتمنّي والطلب ونحوها في غير ما هو نداء وتنبيه وترجّ وتمنّ وطلب بالحمل الشائع ، بل كثيراً ما تُستعمل هذه بداعي التشوّق والسخريّة والتودّد والتوجّد « 1 » والتعجيز والتهديد ، وغير ذلك من الدواعي الاخر ، كما هو مذكور في محلِّه ، ولا ريب في أنّ الموجود بهذا الاستعمال ليس فرداً من أفراد معانيها ، فليس استعمال أدوات النداء بداعي التوجّد مثل قوله :
يا كوكباً ما كان أقصرَ عمرَهُ . . . « 2 » .
نداءً بالحمل الشائع ، بل توجّداً ، وكذلك استعمال الأمر بداعي التعجيز ، كقوله تعالى :
« كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً »
« 3 » فإنّه ليس طلباً بالحمل الشائع وهكذا .
وحينئذٍ : فإمّا أن يكون استعمال هذه الألفاظ في هذه المعاني مجازاً وبضرب من العناية ، وهو ممّا لا يقول به المفصّل ، وإمّا حقائق استُعملت في معانيها الموضوعة لها ، لكن بداعي أحد هذه الأمور المذكورة ؛ من التوجّد والتشوّق وغيرهما ، فيكون معانيها غير ما يوجد بها حتّى فيما إذا استُعملت بداعي إفادة ما وضعت له « 4 » انتهى .
أقول : وفيه :
أوّلًا : أنّه لا مانع من الالتزام بالتجوّز ، ولا دليل على خلافه .
هامش
( 1 ) - يُقال : توجّدت لفلان ، أي حزنت له . لسان العرب 15 : 220 ، « وجد » .
( 2 ) - هذا صدر بيت وعجزه : وكذلك عمر كواكب الأسحار .
وهذا البيت من قصيدة للفاضل الأديب والشاعر البليغ البارع أبي الحسن علي بن محمَّد بن الحسن الكاتب التهامي العاملي الشامي ، المقتول في تاسع جمادى الأولى سنة 416 ه وله ديوان مشهور طبع في الإسكندرية سنة 1813 م . انظر أمل الآمل 1 : 127 / 136 ، سير أعلام النبلاء 1 : 381 / 242 ، شذرات الذهب 3 : 204 ، الكنى والألقاب 1 : 45 .
( 3 ) - الإسراء ( 17 ) : 50 .
( 4 ) - بدائع الأفكار ( تقريرات العراقي ) 1 : 47 .