وأمّا تفريع المسائل المذكورة عليه فلا يخفى ما فيه ؛ لأنّ تخلّف المأمور عن امتثال الأوامر في التشريعيّات أكثر من أن يُحصى ، بخلاف التكوينيّات ، ولما عرفت من أن الأمر ليس فيه محرّكيّة حقيقة .
وأمّا تفريع عدم تداخل الأسباب في التشريعيّات فهو على تقدير تسليمه - كما سيجيء التحقيق فيه - لأجل امتناع الأمر بشيء واحد مرّتين أو أزيد إلّا تأكيداً ، كما اعترف هو قدس سره به في المقدّمة الثانية من تعلّق الأمر بالطبيعة - لا بصِرف الوجود - واستحالةِ تعلّق الإرادة به كذلك وكذلك الحبّ والشوق لا لأنّ العلل الشّرعيّة كالعلل التكوينيّة .
وأمّا المقدّمة الثالثة : فهي أيضاً ممنوعة لأنّه إذا فُرض تعلّق الأمر بشيءٍ ، كقوله :
« صلّ » فعند التحليل هنا ثلاثة أشياء : المادّة ؛ أي مادّة الصلاة في المثال ، وهي الطبيعة المأمور بها ، والهيئة ؛ أي هيئة الأمر ، ومفادها ليس إلّا البعث إلى الطبيعة ، وتعلّق الهيئة بالمادّة ، وشيء منها لا يدلّ على الضيق الذاتي الواقعي الذي ادّعاه ، فإذا أمر المولى بشيء فليس فيه إلّا البعث إلى المادّة المطلقة ، والتقييد بالقيد المذكور يحتاج إلى مئونة زائدة ، بل مقتضى القياس إلى العلل التكوينيّة أيضاً ذلك فإنّ النار علّة لإحراق الحطب - مثلًا - فلفظ النار تدلّ على ذاتها في قولنا : « النار محرقة » ، والإحراق في مرتبة ذاته ليس فيه قيد ، فالقيد يحتاج إلى بيان زائد وبعد تعلّق الأمر بالمادّة يُنتزع منه مفهوم الأمر والمأمور والمأمور به ، فأين الضيق الذاتي الذي ادّعاه قدس سره ؟ !
فتحصّل من جميع ما ذكرنا : أنّه لا مانع من التمسّك بالإطلاق عند الشكّ في التوصّليّة والتعبّديّة في الأوامر الشرعيّة إذا كان الأمر في مقام البيان ، ثمّ على فرض عدم صحّة التمسّك في المقام بالإطلاق اللّفظي أمكن التمسّك بالإطلاق المقامي .
ولو فرض عدم صحة التمسّك به أيضاً ، فهل هناك أصل عملي يقتضي وجوب الإتيان بالقيد أو عدمه ؟
تنقيح الأصول تقرير أبحاث السيد روح الله الموسوي الخميني — صفحة 267
مساهمون: الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي
ص٢٦٧