تعدّد الواضع وعدم اطّلاع أحدهم على وضع الآخر .
ولنعم ما قيل : إنّ منكر المجاز في اللغة جاحد للضرورة ، ومبطل محاسن لغة العرب ، كما أنّه مكابرة وعناد . ولهذا تحيّر الفضلاء في صدور ذلك منه ، فمنهم من أنكره لحسن ظنّه به ، ومنهم من أوّله .
وأمّا المرحلة الثانية : فالحقّ أنّ دلالة المجاز وضعيّة لا ذاتية ولا عقلية صرفة ، وإلّا للزم عدم انحصار العلائق ، وعدم لزوم الفحص عنها ، وصحّة إطلاق كلّ شيء في كلّ شيء ، والملازمة كبطلان التوالي ظاهرة ، مع أنّ المسألة لغوية يكفى فيها الظنّ ونقل الآحاد ، بل الظاهر أنّ الخلاف فيه لفظي لا معنوي كما توهم وذلك كان الظاهر من المثبت اثبات الوضع التأويلي أو التعيني أو النوعي أو الوضع بالمعنى الأعمّ ، أعني تعيين اللفظ للدلالة على المعنى ، ومن النافي نفي الوضع الحقيقي أو التعييني أو الشخصي ، أو الوضع بالمعنى الأخصّ ، أعني تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه .
وأمّا ما قال أستاذنا العلّامة - تبعا للإشارات « 1 » - من أنّ كلام الأزهري - القائل :
بأنّ دلالة اللفظ على المعنى ينقسم إلى وضعية كما في المفردات الحقيقية ، وإلى عقلية ، كما في المركّبات والمفردات المجازية لا يقبل التوجيه . ففي حيّز المنع ، لما عرفت ، وستعرف من أن دلالة المركّبات والمجازات وإن لم تكن عقلية صرفة مستقلة لكنّها لا تخلو عن شائبة العقل بواسطة انضمام معونة العقل إليها ، فلعلّ مراد الأزهري هو العقلية التبعية ، لا العقلية الصرفة .
ونظير الكلام يجري في القواعد النحوية والصرفية من الإعراب والبناء ، فلا ريب أنّ الجميع بتصرّف الواضع وجعله ، لكن يأتي فيه أيضا أنه هل هو بالوضع ؟
هامش
( 1 ) الإشارات : 10 .