فإنّه على تقدير اقتضائه يقتضي النهي عن جميع الأضداد .
وأمّا توهّم أنّ النهي بمعنى الترك غير مقدور ، فيستلزم أن يكون عين الأمر بأحد الأضداد الوجودية الراجع إلى الأضداد الخاصّة أو المندرج فيه الأضداد الخاصّة .
ففيه أوّلا : منع الصغرى اعني : منع عدم مقدورية الترك كما عرفت .
وثانيا : منع الكبرى أعني : منع استلزام عدم مقدورية الترك كون النهي عين الأمر ، إذ غاية ما يستلزم منه هو دلالة النهي على الأمر تدريجا ، من قبيل الاستلزامات العقلية لا دفعة من قبيل العينية ، ولو سلّمنا فغايته استلزام العينيّة بين النهي والكف ، لا بينه وبين الأمر بأحد الأضداد الوجودية ، فإنّ النهي على فرض تعذّر معناه الحقيقي وهو الترك إنّما يصار إلى أقرب المجازات إليه وهو الكفّ ، دون أحد الأضداد الوجودية ، كما هو الشأن في كلّ ما يتعذّر معناه الحقيقي .
الثاني : اعلم أنّ ما ذكرنا في الأوامر الايجابية والنواهي التحريمية جار في الأوامر الندبية والنواهي التنزيهية أيضا ، كما مرّ في المقدّمات ، ويعرف الكلام فيهما بالمقايسة .
ومنهم من أنكر اقتضاء الأمر الندبي مطلقا بزعم أنّ اقتضائه النهي عن الضدّ العام يستلزم كراهة ترك المندوب ، وعن الضدّ الخاص يستلزم كراهة جميع المباحات ، لاستيعاب المندوبات المضادّة لها ، وليس بشيء ، لما عرفت من أنّه إن أريد من الكراهة المرجوحية الذاتية كما هو المصطلح فالملازمة ممنوعة ، وإن أريد المرجوحية الإضافية فبطلان اللازم ممنوع ، وبهذا يظهر الفرق بين الترك المكروه وخلاف الأولى .
الثالث : إباحة الشيء يفيد إباحة ضدّه العام ، بل هو عينه ، إذ حقيقة الإباحة تساوي طرفي الفعل والترك ، وأمّا اضداده الخاصّة فلا يفيد إباحتها أصلا ، إلّا إذا اتّحد ضد المباح فيفيد إباحته لعين ما مرّ .
تقريرات في أصول الفقه — صفحة 459
مساهمون: السيد عبد الحسين اللاري
ص٤٥٩