لان الناس حيث كانوا غافلين عن الدقة الفلسفية يزعمون أن العلم عنده تعالى نظير علم المخلوقات من جهة الانكشاف والتفكيك بين العالم والعلم فقالوا زيد عالم كما أن اللّه عالم فالحمل حقيقي لشهادة العرف في الاستعمال وان كان التحقيق خلاف ذلك . إذ هو شأن من شؤون الطبيعة وذاتي لها ولا نحتاج في القيام زائدا على وجود المبدإ وان كان انحاء الوجود مختلفة من حيث العينية فيه تعالى والتغاير في غيره بنحو الصدور أو الحلول ، فهو فيه تعالى موجود ولا تغاير بينه وبينه فان العقل والعاقل والمعقول متحد والمضيء الحقيقي هو نفس الضوء كما أن الموجود الحقيقي هو نفس الوجود ، فالحمل بمعناه صادق هنا فلا يجوز التجوز ولا العناية في المقام وعلى اللّه التوكل والاعتصام لا سيما في مزال الاقدام فإنه خير معين ومرام .
( التنبيه السادس )
ان اطلاق المشتق وجريه على الذات حقيقة لا يحتاج تلبسها بالمبدأ حقيقة بل يصدق عليها ولو كان مع واسطة في العروض .
وذلك لان قولنا الماء الجاري وقولنا الميزاب الجاري سيان في أن المشتق مستعمل في معناه الحقيقي وهو نسبة الجريان إلى ذات ما فيكون استعماله في معناه الحقيقي إلّا ان الاسناد في المثال الأول حقيقي أيضا بخلاف الثاني فإنه مجازى .
وبعبارة أخرى ان اسناد ( الجاري ) بمعناه الحقيقي اسناد إلى ما هو له في المثال الأول وهو في المثال الثاني اسناد إلى غير ما هو له وبواسطة في العروض فيكون التجوز في الاسناد بادعاء ان الميزاب من افراد الماء على ما ذهب اليه السكاكى في الاستعارة بقوله وإذ المنية انشبت أظفارها بادعاء ان المنية من افراد السبع فيكون استعمال انشاب الأظفار فيما هو له ويكون المجاز في الاسناد فقط ، فلا مجاز في كلمة المشتق في استعماله في معناه .
* * *