الشارع بعد أن صار مآل أمر المكلّف إلى العمل بالظن ، أن سلوك بعض الطرق أقرب إلى الواقع من بعض آخر ، فلا محذور في إرشاده إليه ، فحينئذٍ نقول :
أما اجتماع الضدّين ، فغير لازم ، لأنه مبني على كون الأوامر الطرقيّة حكماً مولويّاً ، وأما الإلقاء في المفسدة وتفويت المصلحة ، فليس بمحذور بعد ما دار أمر المكلّف بينه وبين الوقوع في مفسدة أعظم « 1 » .
أقول :
وحاصله : إنه قد يلزم من الإلزام باليقين مفسدة أعظم من التعبّد بالظن ، فيتعبّد الشارع بالظن حتى لا تفوت مصلحة الظنّ ، كما لو يلزم من الإلزام بالعلم واليقين بالأخذ من الإمام ، مفسدة إراقة الدماء من ناحية امراء الجور مثلًا ، فحينئذٍ :
لا مناص من التعبّد بالظن والأخذ بمفاده دفعاً لتلك المفسدة التي هي أعظم .
لكن يرد عليه :
إنه أخصّ من المدّعى ، كأن يفرض البحث في زمن النّبي صلّى اللَّه عليه وآله حيث لا مفسدة للإلزام بالعلم واليقين . هذا أوّلًا .
وثانياً : إنّ هذا خلاف الضرورة ، إذ لا ريب في أنه لا يوجد في الشريعة مورد يكون تحصيل اليقين والعمل به محرّماً بأصل التشريع وبالعنوان الأوّلي .
وثالثاً : لو فرض وجود المفسدة الأهم في الإلزام باليقين في مورد ، فإنه يكون من صغريات التزاحم في مرحلة الملاكات ، وحينئذٍ ، ترفع اليد عن الحكم المترتب عليه المفسدة العظيمة ، وإنْ كان الملاكان متساويين ، فالحكم هو التخيير .
هامش
( 1 ) درر الفوائد ( 1 - 2 ) 354 - 355 .