تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في علم الأصول — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
وإذا اتضح الفرق بين باب التنزيل ، وباب الاعتبار نقول : إنه يمكن أن يدعي صاحب هذا الوجه الثاني لمسلك الاعتبار ، أن الوضع ليس هو تنزيل الواضع للفظ منزلة المعنى ، حتى نسأله أنّه منزل بأي أثر ، بل هو اعتبار ، فرض أن اللفظ وجود للمعنى ، من قبيل أن نفرض أن وجود العالم وجود للأحكام ، فهذه اعتبارات سهلة المئونة ، لا تحتاج إلى وجود أثر شرعي للمنزل عليه يسري إلى المنزل . وبهذا يندفع الإشكال . فإنه كما صحّ عند الميرزا وأصحابه جعل الإمارة علما وقطعا مع أنه لا يوجد أثر شرعي للقطع الطريقي ، كذلك يصح جعل اللفظ للمعنى ، مع أنه لا يوجد أثر للمعنى . هذا بالنسبة إلى الأمر الأول . وأمّا بالنسبة إلى الأمر الثاني : فقد يقال : إنه لو سلّمنا أنّ باب الوضع هو باب التنزيل ، لا باب الاعتبار ، فحينئذ ، اللفظ لا يترتب عليه أثر من آثار المعنى ، فكيف يكون قائما مقامه ومنزلا منزلته ؟ . وقد يجاب عن هذا بأن يقال : إنه إن كان المقصود من أثر المعنى الأثر الخارجي ، ككون الأسد يأكل ، ويشرب ، وغير ذلك ، فهذا صحيح بحيث أن هذا لا يترتب على لفظة ( أسد ) ، إلّا أن هناك أثرا مهما من آثار المعنى ، مترتب على اللفظ ، وهو أن المعنى كان له خصوصية ، وهي الإحساس بالحيوان المفترس ووقوع العين عليه خارجا ، بحيث يوجب تصور صورته ذهنا . فهذا أثر من آثار المعنى ، وهذا الأثر والخصوصية تحصل للّفظ بواسطة وضعه للمعنى ، فإنه متى ما وقع اللفظ في حسّنا بأن رأينا كلمة ( أسد ) ، أو سمعناها ، أو قرأناها ، فحينئذ ، ينتقل إلى ذهننا صورة الحيوان المفترس . فالخصوصية نفسها التي كانت موجودة للمعنى أصبحت موجودة للفظ ، وهي خصوصية أن الإحساس به يوجب تصوره في الذهن ، وهذه الخصوصية كانت في المعنى فقط ، وبعد الوضع أصبحت باللفظ أيضا ، فهذا أثر مهم للمعنى يترتب على