تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في علم الأصول — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
وكل من القرنين يولّد الانسباق والتبادر إلى الذهن ، والوضع المطلوب إثباته بالعلامة ، إنما هو القرن النوعي ، لأننا بالوضع نريد أن نعيّن مراد المتكلم ، لان القرن النوعي يستتبع ظهورا نوعيا ، بينما القرن الشخصي يستتبع ظهورا شخصيا ، وموضوع وجوب العمل هو الظهور النوعي . فالتبادر ينشأ من أحد أمور ثلاثة : إمّا من القرينة ، وإمّا من قرن أكيد نوعي بين اللفظ والمعنى وهو الوضع ، وإمّا من قرن شخصي . وحينئذ في مقام إثبات علامة التبادر واستكشاف الوضع ، لا بدّ من نفي الطرفين الأخيرين ، وهما : القرينة والقرن الشخصي . أما احتمال نشوء التبادر من القرينة ، فلا بدّ في نفي ذلك من الفحص عن كل ما يكتنف اللفظ من حال أو مقال ، فإن حصل الجزم بعدم وجود القرينة بسبب الفحص فهو ، وإلّا فلا يمكن إثبات الوضع ونفي القرينة المشكوكة بأصالة عدم القرينة لما تقدم من أنّ أصالة عدم القرينة من الإمارات العقلائية المتعبّد بها فقط في طريق معرفة مراد المتكلم . ولا يسري التعبّد ، للوصول إلى الوضع اللغوي ، وهنا ليس المراد بأصالة عدم القرينة تشخيص مراد المتكلم ، فإن مراده معلوم بالتبادر . وإنما المراد تشخيص الوضع وتعيينه ، وهذا مما لا يقبله أصالة عدم القرينة . إذن فلا بدّ من الجزم بعدم القرينة ، وإلّا بطلت علاميّة التبادر . وأما احتمال نشوء التبادر من القرن الشخصي في شخص زيد بالخصوص ، فيمكن نفيه بالفحص والتأمل في حياتنا ، لنتأكد من عدم وقوع أمر يؤثر في ذلك ، ويمكن نفيه أيضا بالأصل العقلائي ، فإن السيرة العقلائية منعقدة في المقام على أصالة التطابق بين الظهور الشخصي ، والظهور النوعي - بين التبادر الشخصي ، والتبادر النوعي - . فالعقلاء يجعلون الظهور الشخصي إمارة على الظهور النوعي ، ويجعلون التبادر النوعي إمارة على الوضع بحيث يثبت به مراد المتكلم . فهذا الاحتمال الثاني يمكن نفيه بالأصل العقلائي ، بمعنى جعل التبادر الشخصي إمارة عقلائية على نوعية التبادر ، وبهذا تتم علاميّة التبادر .