تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في علم الأصول — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠

الاعتراض الثاني :

وهذا الاعتراض مبني على مسلكه في باب الوضع ، حيث ذهب إلى أنّ الوضع عبارة عن التعهد ، ومن الواضح أنّ الواضع لا يتعهد إلّا بما يكون تحت مقدوره واختياره . أمّا ما لا يكون تحت الاختيار ، فلا معنى للتعهد به ، وعلى هذا فالنسبة بين ( زيد ) و ( عالم ) ليست تحت اختيار الواضع ، ولا تحت اختيار المستعمل ، فلا يستطيع الواضع أو المستعمل أن يجعل زيدا عالما وبكرا جاهلا ، فمثل هذا التعهد فضولي ، لأنه خارج عن الاختيار ، وما يمكن أن يكون تحت الاختيار ويتعهد به ، إنما هو أمر نفساني ، وهو قصد الحكاية عن علم زيد مثلا ، فهو مطلب يرجع إلى الواضع أو المستعمل ، فيمكنه أن يتعهد به . وهذا الاعتراض غريب ، لأننا إذا جارينا هذا الطراز من التعبير ، فحينئذ ما ذا نقول عن الحروف التي قال السيد الأستاذ فيها : إنها موضوعة لتحصيص المفاهيم الاسمية ! . فهل إن التحصيص تحت الاختيار حينما نقول مثلا : الإنسان في السماء ممكن ؟ . وما ذا نقول عن المفاهيم الإفرادية . فمثلا كلمة ( زيد ) موضوعة لابن خالد ، فهل إنّ ابن خالد تحت اختيار الواضع ؟ . وحلّ هذه المغالطة بناء على مسلك التعهد ، أنه لا إشكال في أن المتعهّد به ، وما هو تحت الاختيار ، هو أمر نفساني دائما ، ففي الكلمات الإفرادية ( زيد ، أو نار ) المتعهّد به هو القصد النفساني ، هو قصد انتقاش صورة زيد في ذهن السامع ، تصورا ، أو إخطار صورة النار في ذهن السامع تصورا ومعنى قولنا إنّ ( من ) موضوعة للتحصيص ، أنه تعهدنا بأن نقصد إخطار صورة التحصيص تصورا في ذهن السامع . وحينئذ في الجملة التامة ( زيد عالم ) المشهور يقولون إنّها موضوعة للنسبة ، وهذا لا ينافي التعهد ، إذ لو قلنا بالتعهد ، فمرجع هذا إلى أن الواضع تعهد بأن يقصد إخطار صورة هذه النسبة تصورا في ذهن السامع ، وهذا أمر معقول .
بحوث في علم الأصول — صفحة 140 | السيد محمد باقر الصدر