وليس لأحد أن يقول : إنّهما يخرجان تقليد الميّت أيضا ؛ لأنّ صورة حكاية الإجماع صريحة في الاختصاص بتقليد الأحياء ، والحرج يندفع بتسويغ تقليد الحيّ .
والقول بأنّ انعقاد الإجماع غير مسلّم ، كيف ؟ وكلام الكليني في أوّل الكافي « 1 » ظاهر في المنع عن مطلق التقليد ، وصرّح ابن زهرة به وبوجوب الاجتهاد عينا « 2 » ، وقد عزاهما بعض أصحابنا إلى قدماء الأصحاب وفقهاء حلب « 3 » . والحرج كما يندفع بتقليد الحيّ يندفع بتقليد الميّت أيضا ، فالحكم بتعيّن الأوّل تحكّم « 4 » .
ضعيف ؛ لأنّه لو قطع النظر عن الإجماع ، فلا ريب في أنّ لزوم الحرج ينتهض حجّة قطعيّة لصحّة التقليد ، ولمّا كان التقليد مذموما ومخالفا للأصل ، فيجب أن يجوّز بقدر ما يندفع [ به ] « 5 » الحرج ؛ لأنّ ما يقدّر للضرورة فإنّما يقدّر بقدرها ، ولا شكّ في أنّه يندفع بتقليد كلّ من الحيّ والميّت ، فيجب تقليد أحدهما فقط . وتقليد الحيّ ممّا قال به كلّ من قال بصحّة التقليد ، فلا يمكن منهم منعه ، فيتعيّن منع تقليد الميّت .
وممّا يؤكّد ذلك أنّ الآيات والأخبار التي يمكن أن يستدلّ بها على صحّة التقليد إنّما تدلّ على صحّة تقليد الحيّ دون الميّت ؛ لأنّها محصورة بين ما ورد فيه الأمر بالسؤال ، كقوله تعالى :
فَسْئَلُوا
« 6 » .
وما ورد فيه الأمر بالنظر إلى عارف الأحكام واستنباطها منه ، كمشهورة أبي خديجة « 7 » .
وما ورد فيه الأمر بالاستفتاء أو السماع أو غير ذلك ، ممّا يختصّ بالأحياء .
وثانيهما : أنّ دلائل الفقه لمّا كانت ظنّيّة ، لا يكون بينها وبين نتائجها لزوم عقلي ، كما تقرّر في محلّه ، فلا تكون حجّة من حيث هي ، بل من حيث إفادتها الظنّ للمجتهد ، فالحجّة هو ظنّه وهو يزول بموته ، فيبقى حكمه خاليا عن الدليل ، فكيف يمكن اتّباعه ؟ ! ولا يمكن
هامش
( 1 ) . الكافي 1 : 8 - 9 .
( 2 ) . غنية النزوع 2 : 414 - 415 .
( 3 ) . ذكره الشهيد في ذكرى الشيعة 1 : 41 .
( 4 ) . قاله الفاضل التوني في الوافية : 304 .
( 5 ) . أضفناه لاستقامة العبارة .
( 6 ) . النحل ( 16 ) : 43 .
( 7 ) . تقدّم في ص 957 .