الاطمئنان على الملكة القدسيّة ، وقد صرّح بذلك عظماء سائر العلوم حتّى قال بطليموس « 1 » في الثمرة : « إنّ استنباط الأحكام من علم النجوم لا يتيسّر إلّا لمن حصلت له الملكة القدسيّة » « 2 » .
ولا ينبغي أن يلتفت إلى قول من قال : إنّه لا حاجة إليها ويمكن الاستنباط بدونها « 3 » ؛ فإنّ « 4 » غاية الأمر أن يمكن الاستنباط بدونها من دليل كان ظاهرا ، أو نصّا في معناه ولم يكن له معارض ، ولا لازم غير بيّن ، ولا فرد خفيّ ، كاستنباط عدم نجاسة الكرّ بملاقاة النجاسة من قوله صلّى اللّه عليه وآله : « إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء » « 5 » ، وهذا قليل في المباحث الفقهيّة ، كما لا يخفى على المتتبّع .
وأمّا بيان الثاني ، فهو أن يعرض استدلالات من يراد اختباره ، وترجيحاته المخترعة ، على استدلالات ذوي الملكات وترجيحاتهم ، فإن شابهتها فقد حصلت له الملكة ، وإلّا فلا ، ومن لا يتمكّن من العرض والفهم من عند نفسه ، فطريق معرفته إمّا التواتر ، أو إخبار جماعة من العلماء باستقامة طبيعته ، وصفاء قريحته بحيث يحصل القطع بقلّة كبوته ، وندور سقطته ، وعدم اعوجاجه في الغالب .
والقول بأنّ الظاهر أنّ المراد بتلك الملكة ملكة استنباط جميع الأحكام بحيث لا يشذّ عنها شيء ، ولا ريب في أنّ حصول مثلها يتوقّف على غاية استعداد للنفس ، وتأييد من عند اللّه ؛ فلا يفوز بها إلّا أوحديّ من الأذكياء ، وعلى هذا لا يعلم ذو ملكة حتّى يعرض فتاوى من يراد اختباره على فتاويه « 6 » ، شبهة مصادفة للضرورة ؛ فإنّا نعلم بديهة أنّ المعارف من الفقهاء كانوا ذوي ملكات قويّة .
وما قيل : إنّه يلزم على ما ذكر أن يكون تلك الملكة أمرا وجدانيا مقتضاه الإصابة في كلّ
هامش
( 1 ) . في النسختين : « بطلميوس » .
( 2 ) . لم نعثر على الكتاب .
( 3 ) . وهو قول بعض الأخباريّين وقد تقدّم في ص 909 .
( 4 ) . تعليل للنفي دون المنفيّ .
( 5 ) . تقدّم تخريجه في ص 943 .
( 6 ) . راجع : الإحكام في أصول الأحكام 4 : 170 ، ومبادئ الوصول : 240 ، وإرشاد الفحول 2 : 206 .