مع أنّ الاحتياج في صورة التعارض إلى علم الرجال ثابت على أيّ تقدير ، والشيخ لم ينكره .
ثمّ بعض الأخباريّين لمّا تفطّن بما يرد على ما ذهبوا إليه ، قال :
مرادنا بالعلم - حيث نقول : إنّ أخبارنا معلومة الصدور ، وأنّ مدلولاتها معلومة لنا - هو ما يطمئنّ إليه النفس ويقضي العادة بصدقه - وهو الذي اعتبره الشارع في ثبوت الأحكام ، كما يرشد إليه موضوع الشريعة السمحة . ويحصل بخبر الثقة الضابط ، وبالقرائن الحاليّة والمقاليّة - لا الاعتقاد الثابت الجازم المطابق للواقع ، فإنّ حصوله غير ممكن « 1 » .
والظاهر أنّ مراده ب « ما يطمئنّ إليه النفس » هو الظنّ الغالب ، فإن كان مراده أنّ مثل هذا الظنّ يحصل في بعض الأخبار ، فهو مسلّم ورجوع إلى مذهب المجتهدين ، وإن كان مراده أنّه حاصل في جميعها فهو باطل ؛ لعدم إمكانه في المتعارضين وأخبار الضعفاء وأهل الكذب . والظاهر أنّ مراده الأوّل .
وإذ ظهر أنّ الأحاديث ليست قطعيّة الصدور ، والقرائن المذكورة لا تدلّ عليها ، بل هي ظنّيّة الصدور ، فثبت جواز العمل بالظنّ ؛ إذ لولاه لزم سدّ أبواب الأحكام ، فبطل مذهب الأخباريّين .
ثمّ نقول : كلّ ظنّ لا يجوز التعويل عليه ؛ لعموم النهي عن اتّباع الظنّ « 2 » ، وآية التثبّت « 3 » ، فيجب الفحص عن أسانيدها ؛ ليتميّز ما يفيد الظنّ المعمول به عن غيره .
فإن قيل : يكفي في ذلك ملاحظة القرائن ، بل يتعيّن ذلك ؛ لأنّ الظنّ الحاصل منها أرجح من الظنّ الحاصل من ملاحظة السند في علم الرجال ، والعمل بالراجح متعيّن .
قلت : التمييز بالقرائن المعمولة عند القدماء غير ممكن في أمثال زماننا ؛ لعدم تمكّننا عن تحصيلها ، والتمكّن عن قليل منها غير مغن ؛ على أنّا أمرنا بالأخذ بقول الأعدل عند التعارض « 4 » ، ومعرفة الأعدل والأصدق تتوقّف على علم الرجال . هذا .
هامش
( 1 ) . انظر الفوائد المدنيّة : 90 - 127 .
( 2 ) . الحجرات ( 49 ) : 12 :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ . . ..
( 3 ) . الحجرات ( 49 ) : 6 :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا . . ..
( 4 ) . الكافي 1 : 67 ، باب اختلاف الحديث ، ح 10 ، والفقيه 3 : 8 - 11 ، ح 3236 ، وتهذيب الأحكام 6 : 301 ، ح 845 .