ولا يشترط حفظها ، بل يكفي العلم بمواقعها بحيث يتمكّن من الرجوع إليها عند الحاجة ولو في كتب الاستدلال .
ووجه الاحتياج إليها أنّ استنباط الأحكام منها يتوقّف على العلم بها ، وهو ظاهر .
فإن قيل : ما ذهب إليه أكثر الأخباريّين - من أنّه لا يجوز تفسير القرآن بالرأي ، ولا يعلمه إلّا من خوطب به - يقتضي عدم جواز التمسّك به في الأحكام الشرعيّة ما لم يكن هناك نصّ ، ومعه يحصل العناية ، فلا يتوقّف الاجتهاد على العلم بالقرآن .
قلت : الاقتضاء مسلّم ، ولكنّك عرفت فساد مذهبهم في ذلك سابقا « 1 » .
[ الأمر ] الثالث : معرفة أصول الفقه قدر ما يتوقّف عليه الاستنباط .
والتحقيق أنّ جلّ مطالبه ممّا يتوقّف عليه الاجتهاد المطلق ، ولا بدّ للمجتهد من معرفتها ، فهو أهمّ العلوم للمجتهد ، كما صرّح بعض المحقّقين « 2 » .
ولا بدّ أن يكون ذلك بطريق الاستدلال على كلّ أصل منها ؛ لما فيها من الاختلاف ، ولا يكفي أخذها بطريق التقليد عن مجتهد ، أو حسن اعتقاد عن أحد الكتب المعتبرة عنده .
وقد عرفت وجه الاحتياج إليه فيما سبق « 3 » .
والقول بأنّه لا حاجة إليه ؛ لأنّ تدوينه بعد عصر الأئمّة عليهم السّلام ولم يكن متعارفا بين رواة أحاديثهم وقدماء الأصحاب ، مع كونهم عاملين بالأخبار ومستنبطين للأحكام منها وكان ذلك مستمرّا إلى زمان القديمين « 4 » ؛ ولأنّ من كان عالما بالعربيّة يتمكّن من فهم الأوامر والنواهي ، فالحكم عليه بالتقليد - مع كونه مكلّفا بفهم الأحكام منها والعمل بها - خلاف الأصل ، فلو عمل بالتقليد مع ذلك ، كان مثله كمثل من عهد إليه السلطان بأنّه متى أخبره ثقة بأنّ السلطان أمرك بكذا ، أو نهاك عن كذا ، فعليك بالطاعة ، وبيّن له المخلص عند تعارض الأخبار ، فترك العمل بأخبار الثقات معلّلا بجهله بمسائل الأصول أو المنطق ، ولا ريب في
هامش
( 1 ) . عرفت في ص 917 - 918 .
( 2 ) . قاله الفخر الرازي في المحصول 6 : 25 .
( 3 ) . عرفت في ص 901 - 902 .
( 4 ) . والمراد بهما ابن الجنيد وابن أبي عقيل .