واستدلّ على المختار بوجوه أخر « 1 » :
منها : نصّ الصادق عليه السّلام في مشهورة أبي خديجة بقوله : « انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا . . . » « 2 » .
وفيه : أنّ المنكر للتجزّي لا يدّعي وجوب العلم بكلّ الأحكام ، وإنّما يدّعي وجوب الإحاطة بكلّ المدارك والمآخذ ليحصل له الظنّ القويّ بعدم المعارض ، فزعمه أنّ العلم بشيء من الأحكام لا ينفكّ عن الإحاطة بكلّ الأدلّة ، فالعالم بشيء من القضايا مجتهد مطلق عنده .
ومنها : أنّه لو لم يتجزّأ الاجتهاد لزم علم المجتهد بجميع المدارك ، ويلزمه العلم بجميع الأحكام ، واللازم منتف ؛ لشيوع « لا أدري » من المجتهدين ، وتوقّف كثير منهم في كثير من الأحكام في مصنّفاتهم .
وفيه : أنّ العلم بجميع المدارك لا يستلزم العلم بجميع الأحكام ؛ لجواز عدم العلم ببعضها ؛ لتعارض الأدلّة الكثيرة وتراكمها بحيث لم يقدر على الترجيح ، أو للعجز في الحال عن الجهد التامّ ؛ لمانع يشوّش الفكر ، أو لاستدعائه زمانا طويلا ، أو لتوقّفه على كتاب غير حاضر .
ومنها : أنّ حصول ملكة العلم بكلّ الأحكام الواقعيّة ممتنع عندنا ؛ لأنّ جميعها كانت مودعة عند أئمّتنا عليهم السّلام ولم يتمكّنوا إلّا من إظهار بعضها ؛ لتقيّة أو غيرها .
وفيه : أنّ النزاع ليس في حصول العلم بالأحكام الواقعيّة ، بل بالأحكام الظاهريّة ، وحصول ملكة العلم بالنسبة إلى جميعها ممكن .
احتجّ المانعون « 3 » بأنّه لو صحّ التجزّي لزم الدور . وقد قرّر لزوم الدور بوجوه :
[ الوجه ] الأوّل : أنّ صحّة اجتهاد المتجزّئ في مسألة فقهيّة - كوجوب السورة مثلا - موقوفة على صحّة اجتهاده في مسألة تجزّي الاجتهاد ؛ إذ ما لم يترجّح صحّة التجزّي ، لم يصحّ له الاجتهاد في الفروع ، وصحّة اجتهاده في هذه المسألة موقوفة على صحّة هذه
هامش
( 1 ) . راجع الوافية : 246 - 250 .
( 2 ) . الفقيه 3 : 2 - 3 ، ح 3219 ، وتهذيب الأحكام 6 : 219 ، ح 516 .
( 3 ) . راجع : المحصول 6 : 25 ، ومعالم الدين : 239 ، والوافية : 246 - 250 .