الأحكام الشرعيّة « 1 » ؛ فأعرضوا عن الأدلّة الاصوليّة لظنّيّتها ، ولم يمكن لهم إنكار حجّيّة أخبار الآحاد ؛ لانسداد باب الفقه حينئذ ؛ فقالوا : إنّها تفيد العلم « 2 » .
وبما ذكرنا ظهر أنّ مناط الفرق بين المجتهد والأخباريّ أنّ الأوّل يجوّز العمل بالظنّ في الأحكام ، بخلاف الثاني ؛ فإنّه يشترط اليقين .
ولا يخفى أنّ حقّيّة مذهب المجتهدين في غاية الظهور ؛ فإنّ الإجماع منعقد على جواز العمل بظنّ المجتهد ، كما ادّعاه جمع كثير « 3 » . وليس هذا الإجماع من الشيعة فقط ، بل من جميع المسلمين ، فخلاف طائفة قليلة من الأخباريّين لا اعتداد به ، سيّما مع كونهم من المتأخّرين ؛ لأنّ هذا الخلاف نشأ منهم .
والجواب عمّا استدلّوا به : أنّ الحكم المستنبط من اجتهاد المجتهد ليس من باب الظنون ، بل الظنّ في طريقه . وأمّا نفس الحكم فهو معلوم ؛ لكونه حكم اللّه يقينا في حقّه ، فإذا غلب على ظنّ المجتهد حكم شرعيّ بطريق شرعي ، يحصل عنده قياس يقينيّ منتج لمطلوبه ، وهو أنّ هذا الحكم مظنون الثبوت عندي بالطريق الشرعيّ ، وكلّ مظنون الثبوت عندي بالطريق الشرعيّ حكم اللّه يقينا في حقّي ، ينتج ، هذا حكم اللّه يقينا في حقّي .
والصغرى يقينيّة وجدانيّة ، والكبرى ثابتة بالإجماع ، فالحكم المستنبط من الاجتهاد وإن لم يكن معلوما يقينا أنّه حكم اللّه الواقعيّ ، إلّا أنّه يعلم أنّه حكم اللّه في حقّ المجتهد يقينا ، فهو خارج عن باب الظنون الممنوع عنها ؛ لأنّ المراد منها الظنون التي لم يكن العمل بها واجبا في حقّ الظانّ . والمخرج هو الإجماع .
ثمّ إنّك إن تأمّلت في حديث الإجماع ، فاستمع حتّى يثبت لك المطلوب بطريق برهاني قطعيّ لا ينكر عليه .
فنقول : أدلّة الفقه منحصرة بالكتاب ، والأخبار ، والأدلّة العقليّة الاصوليّة .
والأدلّة العقليّة ، كالاستصحاب ، وأصل العدم ، والقياس وغيرها لا تفيد إلّا الظنّ ، وكذا
هامش
( 1 ) . الفوائد المدنيّة : 104 .
( 2 ) . المصدر : 144 - 145 .
( 3 ) . منهم ابن الحاجب في منتهى الوصول : 220 ، وعضد الدين في مختصر المنتهى : 481 ، والشيخ حسن في معالم الدين : 239 .