تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأصول في علم الأصول — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
أصالة الاحتياط . وحكم مجرى أصالة التخيير عندنا هي الإباحة الواقعيّة ، يعني ما توهّموه من الدوران بين المحذورين ، وحكموا في موضوعه بالتخيير الظاهري ليس من الدوران بين المحذورين ، بل من المباح الواقعي . توضيحه : أنّ البعث من المولى نحو الفعل إمّا هو لغاية الانبعاث من العبد ، وهذا إنّما يعقل في مورد أمكن الانبعاث من العبد وكان أثر البعث ذلك لا فيما لا يمكن ، وفي المقام غير ممكن ذلك ؛ فإنّ الإعلام بالتكليف المتحقّق في المقام هو الإعلام بجنس الإلزام المردّد بين التعلّق بالفعل والتعلّق بالترك ، وهذا الإعلام ليس أثره الدعوة إلى الفعل ، ولا أثره الدعوة إلى الترك ، فلا يعقل أن يصدر ذلك من المولى لهذا الغرض . فكلّ ما في بادئ النظر داخل في البعث الإجمالي ، ومن الدوران بين المحذورين ، ففي دقيق النظر خارج منه ، وليس في شأن هذا المكلّف الذي لا يعلم إيجاب ولا تحريم ، وإنّما الإيجاب والتحريم في شأن آخرين علموا بأحد الإلزامين على سبيل التعيين ، وأمّا هذا الذي لم يعلم فإذ لا بعث إيجابي تعيينا ولا زجر كذلك لا إيجاب في حقّه ولا تحريم ، والإلزام بأحد جانبي الفعل والترك من غير تعيين غلط لغو لا يصدر من المولى ، فهذا الشخص خارج عن التكليفين واقعا داخل تحت « اسكتوا عمّا سكت اللّه عنه » وتحت ما دلّ على إباحة الأشياء قبل الشرع . ولو أغمضنا عن الحكم بالإباحة الواقعيّة فلا أقلّ من الحكم بالإباحة الظاهريّة ، فيدخل المقام تحت أدلّة البراءة وتحت حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ؛ فإنّ البيان المزيل لحكم العقل بالقبح هو البيان الحجّة ، والبيان الحجّة هو البيان الصالح للدعوة ، وقد عرفت أنّ هذا البيان الإجمالي الحاصل في المقام غير صالح للدعوة ، فكان حكم العقل بالقبح باقيا على حاله غير مزال عن مقرّه . وأمّا أدلّة البراءة الشرعيّة فدليل « كلّ شيء حلال » شامل للمقام إن كان المراد من الحلال فيه الحلال بمعناه الأعمّ الشامل للواجب ، وكان مؤدّاه إثبات جنس الحلّيّة لا خصوص الوجوب أو الإباحة . وأمّا إن كان المراد منه الحلال بمعناه الأخصّ - أعني الإباحة - فالحديث لا يشمل المقام بما أنّ الإباحة فيه قطعيّة الانتفاء إلّا أن سائر أدلّة البراءة وافية بالمقصود ؛ فإنّ كلّ واحد من